وجهة وطن: وزارة المالية... تفكير محاسبي أم عقلية اقتصادية؟

التعميم السنوي الذي أصدرته وزارة المالية المتعلق بإعداد تقديرات ميزانيات الجهات الحكومية للسنة المالية المقبلة 2028/2027 هو تعميم سنوي برتوكولي، غالباً لا تلتزم الجهات الحكومية بتوجيهاته، ففي كل سنة مالية تطلب الجهات الحكومية اعتمادات ميزانية أكبر من العام الذي سبقها، حتى بلغت هذا العام 26.1 مليار دينار، رغم التكرار السنوي لمطالب وزارة المالية بضغط المصروفات وترشيد الإنفاق وتنمية الإيرادات.
مشكلة وزارة المالية أنها تتعامل مع ميزانية الدولة بعقلية محاسبية لا اقتصادية، فالهدف لديها - نظرياً على الأقل - هو خفض أو تثبيت الإنفاق المالي ورفع الإيرادات العامة، بهدف تقليل العجز في الميزانية، وهذه الأهداف رغم أهميتها - أو لنقُل بديهيتها - لا تمثّل فكراً اقتصادياً لدولة مرتهن مجمل اقتصادها لأسعار النفط وتقلّبات أسواقه.
فما نحتاجه من «المالية» أن تبذل جهداً لا لخفض نفقات أو رفع إيرادات الميزانية السنوية، فهذا أمر ثانوي، بل لجعل الميزانية انعكاساً لنتائج سياسات اقتصادية جوهرية تشمل خلق فرص لعشرات الآلاف من الشباب بالقطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وترفع وتنوّع حجم الاقتصاد وناتجه المحلي، مع تحويل أملاك الدولة إلى منافع وخدمات وفرص، إلى جانب تغيير نموذج المناقصات العامة إلى مشاريع شراكة يُستفاد من خلالها من الخبرات والتكنولوجيا الأجنبية.
عندما تتحسّن أرقام الميزانية نتيجة جهود وسياسات في بيئة العمل والأعمال، فهذا تعبير عن عقلية اقتصادية ذات استدامة وأثر مستقبلي وإصلاحي، أما التركيز على خفض النفقات و»تقصقص» المصروفات وزيادة الإيرادات من خلال الرسوم، من دون النظر إلى الأبعاد الاجتماعية أو حتى الاقتصادية، فهذا يعكس عقلية محاسبية صرفة لا تمثّل استدامة ولا تعكس سياسات إصلاح.
أعلم أن التفكير المحاسبي مُغرٍ لكثير من المسؤولين، فهو يعطي نتائج ظاهرية سريعة، ولا يحتاج إلّا لقيادي «اقشر» يتخذ قرارات دون الاهتمام بالتبعات، أما العقلية الاقتصادية فتتطلب سياسات وإجراءات تنفيذية محددة الأهداف تصب في معالجة اختلالات الاقتصاد الهيكيلة، بحيث تصبح أرقام الميزانية انعكاساً لما تم تحقيقه من إصلاحات ذات استدامة أطول وتأثير أعمق في الوظائف والخدمات وأوجه الأعمال والاقتصاد كافة... وهذا على ما يبدو بعيد عن عقلية وزارة المالية، بل ومجمل الإدارة العامة.