لماذا تأخر الطبيب عن موعدي؟

يدخل أحد المراجعين إلى العيادة وهو منزعج قائلاً: «دكتور، صار لنا فترة ننتظر، ليش كل هذا التأخير؟».
هو سؤال مشروع، فكل إنسان يقدّر وقته، ومن حق المريض أن يتوقع احترام موعده. والطبيب أيضاً يدرك تماماً أن في الخارج مرضى لديهم أعمال وأسر ومواعيد أخرى، ولا يشعر بالارتياح عندما يرى غرفة الانتظار ممتلئة.
لكن ما لا يراه المراجع هو ما يحدث خلف باب غرفة الفحص.
في الطب لا يوجد مريضان متشابهان، حتى وإن كانت الشكوى متشابهة. قد يدخل مريضان يشكوان من انسداد في الأنف، أو نقص في السمع، أو ألم في الحلق، لكن النهاية قد تكون مختلفة تماماً.
قد يكون أول مراجع لديه شمع في الأذن، وبعد تنظيفه يعود سمعه طبيعياً خلال دقائق، ويغادر مبتسماً.
ثم يدخل بعده مراجع آخر يشكو مما يعتقد أنه التهاب بسيط في الجيوب الأنفية. وبعد إجراء المنظار يتبين وجود ورم يمتد باتجاه العين، يحتاج إلى تصوير عاجل بالرنين المغناطيسي، والتواصل الفوري مع طبيب العيون، وترتيب خطة علاج وجراحة دون أي تأخير.
في مثل هذه اللحظات، يتوقف الوقت بالنسبة لذلك المريض.
قد يقضي الطبيب عشرين أو ثلاثين دقيقة إضافية في شرح الحقيقة للمريض وأسرته، والإجابة عن أسئلتهم، والتنسيق مع زملائه، وتأمين موعد أشعة رنين مغناطيسي عاجل أو تحويل سريع لعمل تحاليل طارئة، هذه الدقائق قد تغيّر مستقبل المريض بالكامل، بل قد تحفظ بصره أو تنقذ حياته.
وأكتب هذا المقال لأنني مررت بموقف مشابه، فبينما كان بعض المراجعين يعتقدون أن سبب تأخر العيادة هو بطء الطبيب، كنت داخل الغرفة أرتب بشكل عاجل تصويراً بالرنين المغناطيسي لمريض اكتشفنا لديه ورماً في الجيوب الأنفية يمتد نحو العين، وأتحدث مع زميل في تخصص العيون لضمان أن تتم معاينته في اليوم نفسه أو في اليوم التالي تمهيداً لتدخل جراحي عاجل. بالنسبة لذلك المريض، لم يكن هناك مجال للانتظار.
مثل هذه المواقف ليست نادرة في مختلف التخصصات الطبية. قد يكتشف الطبيب ورماً، أو جلطة، أو نزيفاً، أو علامة تدل على مرض خطير لم يكن المريض نفسه يتوقعه. عندها يصبح واجب الطبيب الأخلاقي والمهني أن يعطي هذه الحالة الوقت الذي تستحقه، حتى لو أدى ذلك إلى تأخير بقية المواعيد.
هذا لا يعني أن التأخير دائماً مبرر، ولا أن تنظيم المواعيد غير مهم. بل على العكس، يجب أن تسعى المؤسسات الصحية والأطباء إلى تقليل أوقات الانتظار وتحسين إدارة العيادات قدر الإمكان، لأن احترام وقت المرضى جزء من جودة الرعاية.
لكن هناك فرقاً بين التأخير الناتج عن سوء التنظيم، والتأخير الناتج عن حالة طبية طارئة لا تحتمل التأجيل.
وربما لو كنت أنت أو أحد أفراد أسرتك هو ذلك المريض الذي اكتشف لديه مرض خطير داخل غرفة الفحص، لتمنيت أن يمنحك الطبيب كل الوقت الذي تحتاجه، دون أن ينظر إلى الساعة أو يشعر بالضغط بسبب ازدحام غرفة الانتظار.
الطب ليس سباقاً لإنهاء أكبر عدد من المراجعين، بل مسؤولية تجاه كل مريض يجلس أمام الطبيب، ففي بعض الأيام يكون معظم المرضى بحاجة إلى دقائق معدودة، وفي يوم آخر قد يحتاج مريض واحد إلى وقت يكفي لتغيير مسار حياته.
لذلك، عندما يتأخر موعدك أحياناً، تذكر أن السبب قد لا يكون إهمالاً أو عدم احترام لوقتك، بل لأن خلف ذلك الباب مريضاً آخر يمر بأصعب لحظات حياته، ويحتاج إلى طبيبه أكثر من أي وقت مضى.
وفي يوم من الأيام، إذا كنت أنت ذلك المريض فستتمنى أن يكون الطبيب قد منحك الوقت نفسه، والاهتمام نفسه لأنك تحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى.