نسويها من زمان... وما صار شي
كان الموظف الجديد يراجع إجراءً اعتاد عليه القسم، فتوقف عند خطوة بدت له مخالفة لما هو مكتوب.
سأل زميله عنها، فجاءه الرد سريعا وواثقا: "نسويها من زمان… وما صار شي". لم تكن العبارة دفاعاً عن صحة الإجراء، بل عن شيء آخر تماماً: أنه تكرر كثيراً من دون أن يعاقبهم.
هذه الجملة البسيطة تختصر ظاهرة درستها عالمة الاجتماع الأميركية" Diane Vaughan" تحت مسمى تطبيع الانحراف (Normalization of Deviance)، أثناء تحليلها التنظيمي لكارثة مكوك الفضاء" Challenger". فالمشكلة لم تكن أن مؤسسة قررت فجأة تجاهل الخطر، بل إن إشارات غير طبيعية ظهرت من قبل، وتكررت رحلات من دون كارثة، فتغير تدريجياً تصور ما يُعد خطراً وما يُعد مقبولاً.
صُحف
العرب وشعوب الشرق الأوسط
وهنا تقع واحدة من أخطر أخطاء التفكير الإداري: أن نخلط بين سلامة النتيجة وصحة الممارسة.
قد يتجاوز موظف إجراءً عشر مرات، ولا تحدث مشكلة، فيصبح التجاوز في المرة الحادية عشرة أكثر قبولاً. وقد تعمل آلة وهي تحمل مؤشر خلل، أو يستمر نظام تقني بثغرة، أو يعتمد فريق على شخص واحد في مهمة حساسة، وكل يوم يمر بسلام يضيف إلى الممارسة شهادة ثقة، لم تستحقها أصلاً.
فالإنسان يتعلم عادة من النتائج. فإذا فعل شيئاً ولم يحدث ضرر، يميل إلى تخفيض تقديره للخطر. ومع التكرار يحدث تحول أخطر: ما بدأ استثناءً يحتاج إلى تبرير، يصبح عادة لا تحتاج إلى تفسير، ثم يتحول إلى معيار ضمني يدافع الناس عنه بعبارة: "هكذا نعمل دائمًا". ويستحضر هذا المعنى قوله تعالى: "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ" (الزخرف: 23)، فمجرد سبق الآخرين إلى ممارسة ما لا يجعلها صحيحة.
وهنا لا تعود المشكلة في الخطأ وحده، بل في الذاكرة المؤسسية التي أعادت تعريف الانحراف باعتباره مقبولاً.
ولهذا لا يكفي في المراجعة أن نسأل: هل سبق أن تسبب هذا الإجراء في مشكلة، انما السؤال الأهم: هل الممارسة صحيحة أصلاً، وما الخطر الذي أصبحنا لا نراه فقط لأننا اعتدنا وجوده؟
والحل ليس فتح باب الشك في كل إجراء، بل الفصل بين ثلاثة أشياء: ما هو معتمد، وما هو استثناء مبرر، وما هو انحراف اعتدنا عليه.
وما لم تُراجع الاستثناءات المتكررة دورياً، فقد تستيقظ المؤسسة يومًا لتكتشف أن القاعدة المكتوبة شيء، والعمل الحقيقي شيء آخر.
وأخطر ما في تطبيع الانحراف أن نجاح الأمس قد يتحول إلى حجة ضد مراجعة اليوم.
فالنجاح السابق لا يثبت دائماً أن الطريق كان صحيحاً؛ قد يعني فقط أن الخطأ مرّ هذه المرة أيضاً من دون أن يطالبنا بثمنه.
وبعض الأخطاء لا تصبح أكثر أماناً كلما تكررت… نحن فقط نصبح أقل قدرة على رؤيتها.
$ كاتب كويتي