الأمن مسؤولية والوحدة الوطنية ضمانة
وقفة
في ظل الأوضاع الأمنية الدقيقة التي تمر بها منطقتنا، وما كشفته التطورات الأخيرة من طبيعة النظام الإيراني وأطماعه، وأسلوب تعامله مع دول الجوار، يصبح من واجبنا التوقف أمام جدل يقلق بعض الأوساط الوطنية البحرينية؛ يتعلق بالإجراءات الأمنية والوقائية التي تتخذها الدولة، وبخشية بعض المواطنين الشيعة من أن تكون موجهة إليهم بسبب انتمائهم المذهبي.
إن حماية أمن الوطن مسؤولية لا تحتمل التهاون، واتخاذ التدابير الوقائية يصبح مشروعاً ومطلوباً، عندما تكون الأخطار حقيقية ومباشرة.
لكن من الضروري، في الوقت نفسه، ألا نسمح بالترويج لانطباع أن مكوناً وطنياً بأكمله يُحمَّل مسؤولية تصرفات أفراد، أو أن المواجهة مع مشروع سياسي خارجي تحولت إلى حاجز نفسي بين أبناء الوطن الواحد.
صحافة استقصائية
اشتراك صحيفة رقمية
اشترك بالصحف الرقمية
كانت البحرين من أوائل الدول التي استهدفها النظام الإيراني بعد عام 1979 ضمن مشروع "تصدير الثورة". وقد ظن القيّمون عليه أن تنوع النسيج الاجتماعي البحريني، ووجود نسبة كبيرة من المواطنين الشيعة، يوفران مدخلاً لاختراق المجتمع، والتأثير في استقراره.
لكنهم تجاهلوا حقيقة تاريخية راسخة؛ فقد رفض أبناء البحرين من قبل، بمختلف مذاهبهم وفئاتهم، الادعاءات الإيرانية، وأكدوا عروبة بلادهم، واستقلالها، عندما أوفد الأمين العام للأمم المتحدة ممثله الشخصي عام 1970 لاستطلاع رغبات الشعب البحريني. وخلص تقريره إلى أن الغالبية الساحقة تريد دولة عربية مستقلة كاملة السيادة، وأقر مجلس الأمن النتيجة بالإجماع في قراره رقم 278 الصادر في 11 مايو 1970.
ولم يكن موقف المواطنين الشيعة منفصلاً عن بقية أبناء البحرين؛ فقد أكدوا تمسكهم باستقلال وطنهم، وعروبته وسيادته، وتمسكهم بقيادة آل خليفة الكرام، التي أرست الحكم العربي في البحرين منذ عام 1783.
وبقي هذا الموقف الوطني الأصيل ثابتاً لدى غالبيتهم العظمى، مهما تعددت محاولات التحريض والاستقطاب.
ومنذ قيام نظام "ولاية الفقيه"، تعرضت البحرين لمحاولات متواصلة لشق صفها الوطني، وإثارة النعرات الطائفية، وتحويل الانتماء الديني للمواطنين إلى ورقة، سياسية وأمنية، تستخدمها دولة أجنبية في صراعاتها الإقليمية. وهذا الخطاب لم يخدم شيعة البحرين في يوم من الأيام.
ولا ندعي أن البحرين "مدينة فاضلة" لا تعرف الخطأ، أو القصور؛ فهي، مثل سائر المجتمعات، تواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية، وقد تقع فيها ممارسات فردية غير عادلة تستوجب المراجعة والتصحيح.
لكن معالجة أي خلل ينبغي أن تتم تحت سقف الدولة، ومن خلال مؤسساتها وقوانينها، لا عبر الارتهان للخارج، أو تبرير الاعتداء على الوطن.
فالعدالة حق لجميع المواطنين، والولاء واجب مقدس مشترك، والإجراءات الأمنية يجب أن ترتبط بالفعل المخالف للقانون، لا بالهوية المذهبية، وأن تكون المحاسبة فردية لا جماعية؛ فذلك أكثر عدلاً وفاعلية في تحصين الجبهة الداخلية.
وقد شهدنا حالات محدودة عبّر فيها بعض الأفراد عن الشماتة عندما تعرضت البحرين للاعتداءات، وهي مواقف مدانة، وتمت محاسبة أصحابها وفق القانون. لكن هؤلاء لا يمثلون المواطنين الشيعة، مثلما لا يمثل أي متطرف الطائفة التي ينتمي إليها.
فغالبية شيعة البحرين جزء أصيل من الوطن، أسهموا في بنائه ودافعوا عن استقلاله، وشاركوا في مؤسساته واقتصاده وثقافته.
وتقدم تجربة البحرين شواهد على إتاحة الفرص وفق الكفاءة، من بينها برنامج ولي العهد للمنح الدراسية العالمية، الذي أسسه الأمير سلمان بن حمد آل خليفة عام 1999، وأتاح للمتفوقين فرص الدراسة، وفق معايير تنافسية بعيداً عن الانتماءات المذهبية والعائلية.
ويتجلى النهج نفسه في المجالين الشبابي والرياضي بدعم سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، وقد برز أبطال من مختلف مكونات المجتمع، ومنهم العداءة البحرينية رقية الغسرة، التي حملت علم المملكة في افتتاح أولمبياد بكين عام 2008.
إن الرسالة واضحة: لا أمن بلا عدالة، ولا عدالة بلا دولة قوية، ولا دولة قوية بلا وحدة وطنية. والحزم مطلوب في مواجهة من يتعاون مع الخارج، لكنه يزداد قوة ومشروعية عندما يقترن بالإنصاف، وتصحيح الأخطاء.
أما من خُدع بالشعارات الإيرانية ثم راجع موقفه والتزم القانون، فينبغي أن يظل باب العودة إلى الصف الوطني مفتوحاً أمامه؛ فالبحرين تحمي نفسها باستعادة أبنائها، وترسيخ الثقة بينهم، في ظل حكمة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه.
لقد فشلت محاولات اختراق المجتمع البحريني؛ لأن روابط التاريخ والمصير كانت أقوى من التحريض. وستظل البحرين متسعة لجميع أبنائها، وستبقى وحدتنا الوطنية أقوى ضمانة لأمنها وسيادتها ومستقبلها.
$ وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً