ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alseyassahكل الآراء بقلم سامي عبدالمحسن الرويشد

رسالة من الفوضى

رسالة من الفوضى

كلما ازدادت الفوضى، كان أول ما نفكر فيه مساحةً جديدة. درج إضافي، صندوق آخر، رف أعلى، خزانة أوسع، ثم غرفة صغيرة نمنحها اسماً مريحاً: "مخزن".

تبدو الفكرة منطقية؛ فما دام الشيء لا يجد مكاناً، فالحل الطبيعي أن نصنع له مكاناً. ومع الوقت، يصبح التوسع في التخزين واحداً من أكثر الحلول رسوخاً في ذاكرتنا، حتى إننا نكاد ننسى سؤالاً أبسط: هل المشكلة فعلاً في ضيق المكان؟

نحن لا نحب التخلص من الأشياء بسهولة. لكل قطعة حجة صغيرة تبقيها معنا: قد نحتاجها يوماً، ربما تصلح لاحقاً، لها ذكرى، لا تزال جديدة، أو أن ثمنها كان مرتفعاً. وهكذا لا تبقى الأشياء لأنها نافعة، بل لأنها نجحت في الدفاع عن بقائها.

بث مباشر

أخبار ثقافية

تصفح الصحف اليومية

وحين تمتلئ المساحة، لا نراجع ما فيها، بل نفاوض الجدران. نضيف رفوفاً، ونشتري صناديق متشابهة، ونرتب المحتويات بعناية، فنشعر أننا انتصرنا على الفوضى. والحقيقة أننا قد نكون فقط جعلناها أكثر أناقة.

فالترتيب لا يعني دائماً أن المشكلة حُلّت. أحياناً يعني أن كل شيء أصبح يملك عنواناً واضحاً داخل المشكلة نفسها. صندوق للأشياء التي لا نستخدمها، وآخر لما قد نحتاجه، وثالث لما لم نقرر مصيره بعد. وبمجرد أن تستقر الأشياء في أماكنها، يقل شعورنا بضرورة مراجعتها، لأن الفوضى لم تعد تؤذينا بصرياً.

والأغرب أن الصندوق الجديد يمنحنا راحة نفسية سريعة؛ فقد اختفت الأشياء من أمام أعيننا، وأصبح المكان أكثر هدوءاً.

لكن هذا الهدوء قد يكون خادعاً، لأنه يحول السؤال من: لماذا نحتفظ بكل هذا؟ إلى أين نضع الباقي؟ ومن هنا لا يعود التخزين حلاً محايداً، بل يصبح أحياناً سبباً في تأجيل القرار الأصعب.

وهنا تبدأ المفارقة الأعمق. قد تكون الفوضى أحياناً رسالة، لا عيباً في المساحة. إنها تخبرنا أن ما نملكه تجاوز ما نستخدمه، أو أن ما نحتفظ به تجاوز ما نحتاجه، لكننا بدل أن نقرأ الرسالة، نبحث عن ظرف أكبر لوضعها فيه.

ولعل هذا لا يخص الخزائن وحدها، فنحن نتصرف بالطريقة نفسها مع الوقت والالتزامات والمهمات؛ حين تمتلئ أيامنا، نبحث عن تطبيق جديد للتنظيم، أو جدول أدق، أو طريقة أسرع للإنجاز، قبل أن نسأل إن كانت كل هذه الأشياء تستحق أصلاً أن تبقى في يومنا.

ليس كل نقص في المساحة دعوةً إلى التوسع. أحياناً يكون دعوةً إلى الاختيار.

فالمكان لا يضيق دائماً لأننا نحتاج مساحة أكبر، بل لأننا تأخرنا طويلا في تقرير ما الذي يستحق أن يبقى.

$ كاتب كويتي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓