ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alseyassahكل الآراء بقلم د.جورج شبلي

من الإيديولوجيا إلى التكنولوجيا

من الإيديولوجيا إلى التكنولوجيا

تُفهَم الإيديولوجيا، عامةً، على أنّها عِلم الأفكار، لكنّ هذا التّعريف ضَبابيّ، أما التحديد الشائع فهو أنها النظامُ الفكري الشّامل المَبني على فرضيّاتٍ، ونظريّات تعبّرُ عن مواقف الأفراد والجماعات من المجتمع، والإنسان، استناداً الى مقوّمات محدَّدة.

وقد تنوّعَت، فهناك الإيديولوجيا الفلسفية، والإيديولوجيا الاجتماعية، والإيديولوجيا السياسيّة التي ينبغي أن تشكّل أساس العمل السياسي، والتي يلتزمُ بها السياسيون، والمفكّرون، الى درجةٍ متقدّمة، بحيث تؤثّر على مواقفهم، وخطابهم، وسلوكهم، وتُقَنِّنُ علاقاتهم مع الآخرين.

أخبار اقتصادية

سياسة

أخبار ثقافية

وهناك الإيديولوجيا الدّينيّة التي بقي بعضها في الإطار الدّيني المحض، بمعنى ارتباطها بالإيمان، واعتنائها بخلاص الفرد من خلال الارتقاء الرّوحي، والتقرّب من الخالق. في حين انحرف بعضُها الآخر الى نسق سياسي شمولي، لتأطير النّاس واستقطابهم، بحيث يقسمُ هذا البعض المتطرّف، المجتمع الى معسكرَين، معسكر الحقّ للمؤمنين، ومعسكر الباطل للمُخالِفين.

أمّا التكنولوجيا التي أصبحت من أهم، بل أهم الامكانيّات التي تتشكل، على أساسها، المجتمعات الحديثة، فهي جملةُ التّقنيات والمهارات والأدوات المستَخدَمة في تحقيق الأهداف، على أنواعها، لتسهيل حياة الإنسان، بإعادة تشكيل إدراكاته، وتطوير قدراته الإنتاجيّة في كلّ المجالات.

وقد تجلّى أثرُها في بُنياتِ المجتمع البشري، بحيثُ غَدَت الكرة الأرضية قرية كونيّة، بإتاحةِ التّواصل، وتقريب المسافات، وتدفُّق المعلومات بتسهيل الوصول الى مواردها، وانتشار الثّقافات، وعَولمة الحضارة. كلُّ ذلك، يعني تسخير التّقنيّة لخدمة البشريّة، وتعزيز رفاهيّتها.

وقبلَ أن نحدد أُطر الانتقال من الإيديولوجيا الى التّكنولوجيا، نتركُ للموضوعيّة أن تُقارب النواحي السلبيّة لكلٍّ من المفهومَين. فرغم الفوائد التي حصل عليها المجتمع الكَوني من التقدّم التّكنولوجي، غير أنّ هناك آثاراً سلبيّة برزَت في مجالات عديدة. فقد أَضعَفَ إدمانُ الشّاشة المستمرّ، التّواصل المباشر بين الأفراد لا سيّما أفراد العائلة الواحدة، ما أدّى الى ما يُسمى عزلة عائليّة، وتَهزيل الرّوابط في الأُسَر. وكذلك، أصبحَ بالإمكان انتهاك الخصوصيّة الشخصيّة، بالوصول الى بيانات مُستَخدِمي الإنترنت، وسرقة هويّاتهم الحسّاسة. وأيضاً، إضعاف مهارات التأليف، والكتابة، والتّلحين، والترجمة، بالاعتماد الكلّي على الذّكاء الاصطناعي.

أمّا سلبيّات الأيديولوجيا، فتبدأ في اعتناق مُلتَزِميها اعتناقاً أعمى، يقودُهم التعصّبُ الأَرعن، بحيثُ يرفض هؤلاء كلَّ الحقائق ومفاعيل التقدّم التي تتناقضُ مع عقيدتهم. وكذلك، تتأجّج الصّراعات بينهم وأقطاب المجتمع في "غيتواتهم" التي ينتفي فيها أيّ إمكانٍ للتفاهم أو للحوار. أمّا الأدهى، فهو أنّ هؤلاء المُؤَدلَجين، يعتبرون الذين يختلفون بالرأي معهم، أعداءً ينبغي الاقتصاص منهم، وقمعُهم، واعتماد الوسائل العنفيّة معهم وصولاً الى الاغتيال... وهذا غيضٌ من فَيض.

أرشيف الأخبار

أخبار الأمن

الأخبار

في المقارنة: ربّما يُتّهَمُ التقدّم التكنولوجي بجريمة تطوير الأسلحة الفتّاكة التي أَودَت، باستخدامها في الحروب والصّراعات، بالكثير من الضّحايا، ولا يمكنُ الشكُّ بذلك. كما يُتَّهَم، أيضاً، بالاستغناء عن الإنسان، ولا سيّما عن إِعمالِ قدرات العقل، فالآلة أَسرَع، وأَدَقّ، وأَشمَل، لكن، هل التطرّف الإيديولوجي هو أقلُّ إجراماً من التّكنولوجيا؟

إنّ العقيدة التّوتاليتاريّة الرّاديكاليّة المُغلَقة تعصر حِصرِمة في عَين التقنيّات، بما ترتكبُه من مآسٍ إنسانيّة، وجنايات، واستباحات، وتصفية مَنْ تعتبرُهم خَوَنة وأعداء الشّعب، وكُفّاراً، ينفّذُها بِشُعور الواجب، أعضاءُ قَتَلَة "ميكانيكيّون"، كإجراء إداري روتيني، أَسمَتهُ المفكّرة حنّة أرندت: ابتذال الشرّ.

في الاستنتاج: إنّ الإيديولوجيا التي يتّبعُها المتطرّفون قد أعادت المجتمع البشريّ الى العصر الحَجَري، أو الى ما قبله، بالإرهاب العابر للحدود، وضَرب التعدّدية، والتّدمير الثّقافي، في حين دفعَت التّكنولوجيا المُراقَبَة بمجتمعات النّاس الى عصر التّحديث والتمدّن الرّاقي الذي ساهم في تحسين ظروف الحياة، وتسهيل الحصول على المعرفة، واكتساب مهاراتٍ جديدة توفّرُ الوقتَ والجهد والإنفاق. وهذا من شأنه أن يرفع نسبة الرّفاهية، والرّاحة على المستويات جميعِها.

في التّعليق: بين التّكنولوجيا والإيديولوجيا علاقات معقَّدة للغاية. تتهّمُ الإيديولوجيا التّكنولوجيا بأنّها تُبعِدُ النّاس عن البُعد الأخلاقي والرّوحي، والذي يُعطي للحياة معنى، وأنّها تحاول أن تكون العقيدة البديلة التي تستبدلُ القِيَمَ الروحيّة بالقدرات والكفاءة الإنتاجية، وكأنّها دون بوصلة أخلاقيّة إيمانيّة، ما يسحقُ كرامةَ الإنسان.

في حين توجّهُ التكنولوجيا انتقاداتٍ عديدة للأدلجة، أبرزها إعاقة التطور، وترسيخ الشلل الفكري، وكَبح الابتكار، وتقييد الزّمن بأغلال الماضي التقليدي، وتغليب الأوهام والأساطير على تفسير العالَم والحياة، والعجز عن تقديم حلول ناجعة لتحدّيات العصر... هل الإيديولوجيا التّكنوقراطيّة هي الحلّ، أم إشكاليّة جديدة

$ كاتب واستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓