العدوان الإيراني وأثر السرديات الموروثة
يفرض العدوان الإيراني على الكويت ودول الخليج العربي، المستمر منذ شهر مارس الماضي، الوقوف عند الدروس المستفادة، وتحليل المواقف والآراء، التي أثارت ولا تزال تثير العديد من الأسئلة المشروعة والنقاشات الموضوعية.
فقد ذهب بعض المحللين والمسؤولين العرب السابقين، ومنهم عمرو موسى، إلى ربط ما تشهده المنطقة بالأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتركيز على القضية الفلسطينية، أكثر من التركيز على حقيقة العدوان الإيراني السافر، الذي استهدف دول "مجلس التعاون" الخليجي، بما في ذلك منشآت مدنية وحيوية، ومحطات للطاقة، والمياه، والمنافذ الجوية والبرية.
ولا شك أن الصراع العربي- الإسرائيلي صراع تاريخي وسياسي طويل، كما أن الممارسات المأسوية التي ترتكبها سلطات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني حقيقة لا يمكن إنكارها. إلا أن ذلك لا ينبغي أن يحجب حقيقة أخرى، وهي أن العدوان الإيراني على دول الخليج العربي يمثل سابقة خطيرة، وغير مسبوقة في استهدافه المباشر لدول المنطقة، وشعوبها ومصالحها.
أخبار اقتصادية
مقالات رأي
خدمة الطقس
وثمة علاقة سببية بين هذه المواقف المتحجرة وهيمنتها على جزء من العقل السياسي العربي، وبين الانجراف المتكرر إلى استحضار مشروع "الصهيونية"، وربطه بمصير منطقة الخليج، حتى في هذه الأيام العصيبة التي تشهد فيها المنطقة عدواناً إيرانياً ممنهجاً يستهدف دولها وشعوبها.
وامتد هذا الربط العاطفي بالقضية الفلسطينية إلى بعض الأصوات، والأطراف الكويتية؛ فبدلاً من تبرير التأخر في الإدانة والاستنكار للعدوان الإيراني، جرى إقحام إسرائيل في الظروف الكارثية التي تعيشها دول الخليج، والحديث عن مدى استفادة سلطات الاحتلال مما يجري، في إشارة مبطنة إلى تبرير الموقف الإيراني، أو تأييده في حربه مع الولايات المتحدة.
وهذه المواقف المخجلة، وما يصاحبها من حقائق ملتبسة، ليست جديدة على الساحة الكويتية، بل تكررت في مناسبات سابقة، حتى قبل العدوان الإيراني. فقد تجرأت إحدى الصحف اليومية الكويتية على تحريف نص كلمة ممثل الأمير الراحل الشيخ نواف الأحمد، رحمه الله، التي ألقاها نيابة عنه صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله ورعاه، عندما كان ولياً للعهد، خلال قمة القاهرة في أكتوبر 2023.
فقد عمد محرر من أصول فلسطينية، معروف بانتمائه إلى حركة "حماس"، الجناح الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، بالتعاون مع محرر عربي آخر، إلى تحريف نص الكلمة السامية، بإدخال كلمة "الصهيونية" بدلاً من عبارة "سلطات الاحتلال"، رغم أن هذا الوصف لم يرد إطلاقاً في النص الرسمي لكلمة الكويت.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بلغ الحماس والانتماء السياسي حد العبث المهني، من خلال وضع عنوانين مختلفين للخبر؛ أحدهما في الصفحة الأولى، والآخر في صفحة داخلية باللون الأحمر، تضمن التحريف المتعمد بما يخدم أجندات شخصية وانتماءات، سياسية وأيديولوجية.
ومن المؤسف أن وزارة الإعلام لا تمارس الدور الرقابي الذي يقتضي قراءة ما يُنشر، وتحليل مضامينه، ومقارنته بالنصوص الرسمية، الأمر الذي يسمح بمرور مثل هذه التجاوزات، دون مساءلة أو تدقيق.
ولا يُستبعد، في ظل ما نشهده من عدوان إيراني، أن يستمر توجيه بعض الأخبار، والمواد الإعلامية على هذا النحو.إننا نعيش حالة حرب فرضها العدوان الإيراني على دول الخليج العربي. ومن يرى غير ذلك، فعليه أن يتحلى بالمسؤولية، وأن يبتعد عن التعليق غير المنضبط، والاجتهاد غير الحصيف، وأن يتوقف عن هوس الظهور في منصة "إكس"، أو اجترار صراعات تاريخية على حساب قراءة الواقع الحالي، الذي يفرض التعامل معه بوعي ومسؤولية، بعيداً عن الشعارات والانفعالات.