المرأة والعمل التطوعي... إرث وطني روى جذوره «شاي الضحى»

- أمثال الأحمد: جذور العمل التطوعي تعود إلى طبيعة مجتمعنا القائمة على «الفزعة والنخوة»
- لولوة القطامي: مستقبل العمل التطوعي النسائي يعتمد على استمرار الأجيال الجديدة في حمل المسؤولية
- سبيكة الجاسر: إسهام المرأة امتد ليشمل تأسيس المبادرات وقيادة مؤسسات النفع وتطوير الخدمات
لم تكن رائحة الهيل والزعفران وعبق البخور، وحدهما تتصاعد في فضاء مجالس «شاي الضحى» ودواوين النساء في الكويت قديماً، فقد كانت تلك المجالس البسيطة تختزن -إلى جانب الأحاديث اليومية- روحاً من التكافل بدأت تتشكل في هدوء، وتنبت من بين تفاصيل الحياة العادية أولى بذور العمل التطوعي النسائي.
ومن تلك الدوائر الاجتماعية الصغيرة، خرجت المرأة الكويتية إلى فضاء أوسع من العطاء، فبدأت بمساندة المحتاجين في محيطها القريب، ثم وجدت نفسها مع تعاقب الأزمات والمحن، في مقدمة الصفوف، تمد يد العون وتشارك في مواجهة الشدائد. ومع مرور الزمن، لم يعد ذلك العطاء مجرد مبادرات فردية تحركها الفطرة وروح النجدة، بل تحول إلى إرث راسخ ومسار وطني مستدام، أصبحت معه المرأة الكويتية شريكاً فاعلاً وحجر زاوية في قيادة العمل الخيري والتنموي والإغاثي.
وهكذا بدأت حكاية طويلة من البذل، انتقلت فيها المرأة، من نجدة من حولها إلى الإسهام في بناء منظومة تطوعية، تركت بصمتها في المجتمع، ورسخت حضورها في مسيرة الكويت الإنسانية. وتبرهن المسيرة الممتدة من عطاء المرأة، على نجاحها في تحويل التطوع من فزعة إنسانية في أوقات المحن، إلى إرث مستدام ونموذج ملهم في المبادرة وقيادة العمل الإنساني.
وفي هذا السياق، أكدت رئيسة مركز العمل التطوعي الشيخة أمثال الأحمد الجابر الصباح، أهمية الدور التاريخي للمرأة الكويتية في العمل التطوعي، مشيرة إلى أن جذور العمل التطوعي في الكويت تعود إلى طبيعة المجتمع الكويتي القائمة على «الفزعة والنخوة» والتكاتف بين أفراده التي شكلت أساساً لمشاركة المرأة في خدمة المجتمع منذ مراحل مبكرة من تاريخ البلاد.
وقالت الشيخة أمثال، لـ«كونا» إن «من أبرز صور مشاركة المرأة قديما دورها في بناء السور الثالث، إذ كان الرجال يخرجون خلال شهر رمضان للمشاركة في بناء السور قبل موعد الإفطار، فيما كانت النساء يتولين إعداد الإفطار والسحور وتوفير الماء وإيصاله إلى الرجال المشاركين في البناء»، معتبرة أن «ذلك يمثل نموذجاً مبكراً للعمل التطوعي والتعاون المجتمعي الذي شارك فيه الجميع كل حسب استطاعته».
وذكرت أن «المرأة أسهمت منذ القدم في الأعمال الخيرية والتطوعية، ومنها التبرع لبناء المدارس والمساجد والكتاتيب، مستذكرة في هذا السياق سبيكة الخالد رحمها الله، التي تبرعت بمنزلها لتوسعة المدرسة المباركية، عندما احتاج القائمون على تأسيس المدرسة في نحو عام 1911، إلى مساحة إضافية لتوسعة المبنى فبادرت إلى التبرع ببيت تمتلكه ملاصق للمدرسة مباشرة».
وأضافت أن «من النماذج التاريخية أيضاً شاهة الحمد الصقر التي تبرعت في بدكان ليكون مقراً للمكتبة الأهلية، كما تبرعت لدعم القضية الفلسطينية»، معتبرة أن هذه المبادرات تعكس إسهامات المرأة الكويتية في مجالات التعليم والعمل الخيري وخدمة القضايا الإنسانية.
واستذكرت كذلك واقعة أول بعثة نسائية كويتية توجهت إلى مصر عام 1956، مبينة أن توقيتها صادف اندلاع العدوان الثلاثي على مصر، حيث بادرت أعضاء البعثة إلى التطوع في المستشفيات المصرية للمساعدة في علاج الجرحى والمصابين مؤكدة أن روح «الفزعة الكويتية» لم تكن محصورة داخل الوطن وإنما امتدت إلى خارجه.
وأشادت الشيخة أمثال بدور مريم عبدالملك الصالح، رحمها الله، التي تعد أول معلمة في تاريخ الكويت، إلى جانب لولوة القطامي التي درست في الخارج، وعادت إلى الكويت لتسهم في تطوير التعليم، وتتولى رئاسة كلية البنات في جامعة الكويت.
من جهتها أكدت الرئيسة الفخرية للجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية لولوة القطامي، في تصريح مماثل لـ«كونا»، أن «المرأة كان لها دور مبكر وفاعل في العمل الاجتماعي والخيري»، مشيرة إلى أن تجربتها الشخصية بدأت خلال دراستها الجامعية في مدينة إدنبرة الأسكتلندية، حيث انضمت إلى اتحاد الطلبة وتعرفت من خلاله على العمل الاجتماعي وخدمة الفئات المحتاجة.
وقالت القطامي إنه لدى عودتها إلى الكويت في ستينات القرن الماضي عملت مدرسة للغتين الإنكليزية والفرنسية في ثانوية المرقاب، والتقت هناك بفضة الخالد وتناقشتا حول أهمية العمل الاجتماعي وتأسيس جمعية نسائية في الكويت. وذكرت أن «النظام الأساسي للجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية التي تأسست عام 1963، اشترط أن تكون العضوة كويتية وتجيد القراءة والكتابة»، لافتة إلى أن الإقبال على الانتساب كشف عن ارتفاع نسبة الأمية بين النساء في ذلك الوقت، ما دفع الجمعية إلى إطلاق أول مشاريعها وهو تعليم النساء القراءة والكتابة.
وتحدثت القطامي عن انتقال نشاط الجمعية إلى العمل التطوعي خارج الكويت، مبينة أن «الجمعية اهتمت بقضايا الطفولة العربية، انطلاقاً من إيمانها بأن رعاية الأطفال المحتاجين خارج الكويت، تمثل امتداداً لدور المرأة الكويتية في العمل الإنساني».
وبينت القطامي أن العمل التطوعي النسائي في الكويت مر بمراحل عديدة مؤكدة أن مستقبل العمل التطوعي النسائي في الكويت يعتمد على استمرار الأجيال الجديدة في حمل هذه المسؤولية وتطويرها، بما يتناسب مع احتياجات المجتمع الحالية.
بدورها، أكدت رئيسة الجمعية الكويتية لرعاية المعوقين سبيكة الجاسر لـ«كونا» أن «المرأة اضطلعت بدور أصيل وممتد في مسيرة العمل التطوعي والخيري في دولة الكويت. وإسهامها لم يقتصر على مساندة الجهود المجتمعية، بل امتد ليشمل تأسيس المبادرات وقيادة مؤسسات النفع العام، والإسهام في تطوير الخدمات والبرامج الموجهة للفئات الأكثر احتياجاً».
وقالت الجاسر إن «المرأة أثبتت حضوراً مؤثراً في مجالات التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، ورعاية الأشخاص ذوي الإعاقة ودعم الطفولة والأسرة والعمل الوقفي والخيري، إلى جانب إسهامها في تأسيس جمعيات النفع العام والمراكز المتخصصة وإدارة البرامج الإنسانية، وتأهيل الكوادر الوطنية وبناء الشراكات الفاعلة، مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص».
وأوضحت أن تجربتها في العمل التطوعي بدأت عام 1984 بانضمامها إلى الجمعية الكويتية لرعاية المعوقين، حيث تركزت الجهود على تطوير الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة، والانتقال بها من مفهوم الرعاية التقليدية إلى منظومة أكثر شمولاً، تقوم على التعليم والتأهيل والتمكين والاستقلالية، من خلال تطوير المناهج والبرامج التعليمية والارتقاء بقدرات المعلمين والأخصائيين والاستفادة من الممارسات المتخصصة في هذا المجال.
تشكل المرأة الكويتية اليوم نحو 74.5 في المئة من العاملين في القطاع الإغاثي في البلاد، إضافة إلى تبوئها قرابة 26 في المئة من مناصب رؤساء الجمعيات الخيرية، وشغل 25 في المئة من مقاعد مجالس إدارتها، ما يعكس حضوراً مؤثراً، وبصمة قيادية فارقة في المشهد الإنساني محلياً ودولياً.
منذ تأسيس الكويت تركت المرأة بصمات مشهودة في الأعمال التطوعية المختلفة بداية من التبرع بالمال لبناء المساجد والكتاتيب والتبرع بالأثاث والأوقاف والوصايا الخيرية وبناء دور القرآن مروراً بتسيير حملات حج نسائية والتطوع للعلاج ونشر الثقافة والعلوم وصولاً إلى بناء المراكز الصحية والمستشفيات.
وتجاوز عدد نساء الكويت المتطوعات لإنشاء وإدارة كتاتيب التعليم قديماً 80 متطوعة، فيما بلغت مساهمات المرأة في الوقف الخيري نحو 224 وقفاً من إجمالي 440 وقفاً.