«تتريس»... من جهاز بسيط لأنجح ألعاب فيديو بالتاريخ

- رجل رهن ممتلكاته لعائلة زوجته ليشكّل مفتاح نجاح «غيم بوي»
- «تتريس» لم تكن مجرد لعبة إضافية بل الصفقة التي بنت إمبراطورية
- من مشروع حاسوبي سوفياتي لظاهرة عالمية باعت أكثر من 35 مليون نسخة
بعض قصص «فرصة العمر» لا تبدأ من داخل شركة كبرى، بل من رجل واحد يقف أمام جهاز صغير في معرض تجاري، فيقرّر المخاطرة بكل ما يملك من أجل صفقة يشعر أنها ستغيّر مسار حياته.
هذا بالضبط ما حدث مع هينك روجرز، ونينتندو، ولعبة «تتريس»، في واحدة من أشهر صفقات تاريخ صناعة الألعاب.
وحسب السيرة الذاتية الرسمية المنشورة على موقع «تتريس»، كان هينك روجرز، رئيس شركة بوليت بروف سوفتوير اليابانية، قد نشر بالفعل عشرات ألعاب الحاسوب من مختلف أنحاء العالم في السوق اليابانية، إلى أن اكتشف لعبة «تتريس» في معرض «سي إي إس» للإلكترونيات الاستهلاكية في لاس فيغاس عام 1988.
وحسب حديثه لموقع «غيماسوترا»، كان روجرز رخّص اللعبة بالفعل لأجهزة الحاسوب ولمنصة نينتندو في اليابان في العام نفسه، قبل أن يدرك أنها اللعبة المثالية لجهاز محمول جديد كانت نينتندو تعدّ له، هو «غيم بوي»، لكن الوصول إلى حقوق الجهاز المحمول لم يكن سهلاً.
فحسب تقرير لموقع تايم إكستنشن، توصل روجرز بالفعل إلى اتفاق مبدئي مع مسؤولي «نينتندو أوف أمريكا»، قبل أن يكتشف أن تعقيدات سلسلة حقوق الترخيص تتطلب منه الحصول على موافقة مباشرة من الجهة السوفياتية التي كانت تملك الحقوق الأصلية. وجاء ذلك في وقت كان قد التزم فيه بتجهيز بضائع بقيمة مليوني دولار للتصنيع، بل ورهن ممتلكات لعائلة زوجته لتغطية التزاماته المالية، ما جعل التراجع عن المشروع أو فشله خياراً بالغ الكلفة بالنسبة إليه.
وتعود جذور هذا التعقيد إلى أن «تتريس» ابتكرها مهندس البرمجيات السوفياتي أليكسي باجيتنوف 1984، أثناء عمله في مركز دورودنيتسين للحوسبة التابع لأكاديمية العلوم السوفياتية في موسكو.
وفي ظل النظام السوفياتي آنذاك، لم يكن باجيتنوف يملك حق استغلال اللعبة تجارياً بصورة مستقلة، إذ خضعت حقوق اللعبة للجهة الحكومية التي كان يعمل لديها، فيما تولت وكالة إيلورغ الحكومية المختصة بالتجارة الخارجية مهمة ترخيص البرمجيات خارج الاتحاد السوفياتي.
ومع انتقال تتريس إلى الأسواق الغربية، بدأت سلسلة من صفقات الترخيص وإعادة الترخيص بين شركات عدة، بعضها لم يكن يملك الحقوق التي كان يعتقد أنه يملكها، ما أدى إلى تعقيدات قانونية واسعة بشأن حقوق أجهزة الكمبيوتر والألعاب المنزلية والأجهزة المحمولة.
وفي خضم هذه الفوضى، اضطر هينك روجرز إلى السفر إلى موسكو 1989 والتفاوض مباشرة مع إيلورغ للحصول على حقوق النسخة المحمولة، قبل أن تتوسع المفاوضات لاحقاً لتشمل حقوق أجهزة الألعاب المنزلية، في واحدة من أكثر عمليات ترخيص الألعاب تعقيداً في تاريخ الصناعة.
وحسب موسوعة «تتريس ويكي» لم يكن روجرز الطرف الوحيد الساعي وراء الحقوق، إذ كان هناك أطراف منافسون، من بينها روبرت شتاين من شركة أندروميدا، وكيفن ماكسويل نجل الإعلامي روبرت ماكسويل من شركة «ميرورسوفت»، وكلاهما كان يحاول التفاوض مع الجهة الروسية المالكة للحقوق المعروفة باسم «إيلورغ» في التوقيت ذاته تقريباً. ووفقاً للمصدر نفسه، وصل روجرز إلى موسكو دون موعد رسمي، وواجه صعوبة حتى في تحديد مقر الجهة المعنية، إلى أن نجح بمساعدة مترجم في عقد اجتماع غير رسمي في 21 فبراير 1989 مع مسؤول «إيلورغ» نيكولاي بيليكوف، الذي أبلغه بأن حقوق أجهزة الألعاب لم تُمنح بعد لأي طرف باستثناء حقوق الحاسوب الشخصي فقط.
وهنا استغل روجرز، حسب الموسوعة ذاتها، علاقته مع «نينتندو»، التي كانت تسيطر حينها على نحو 70 % من سوق أجهزة الألعاب العالمي، ليقنع الجانب السوفياتي بجدية عرضه مقارنة بمنافسيه.
وحسب السيرة الرسمية على موقع «تتريس»، نجح روجرز عام 1989 في الحصول على حقوق اللعبة لأجهزة «غيم بوي» تحديداً، ورخّصها بعد ذلك مباشرة لشركة نينتندو، في صفقة وُصفت لاحقاً بأنها من أهم الصفقات في تاريخ الصناعة.
لكن التعقيدات القانونية لم تنتهِ عند هذا الحد، فقد أشار موقع «هيستوري فيرسز هوليوود» إلى أن «نينتندو أوف أمريكا» اضطرت، لاحقاً إلى إرسال إنذار قانوني لشركة «أتاري غيمز» بشأن بيع نسخة «تتريس» الخاصة بها على جهاز «NES» تحت علامة «تينجن»، ما أدى إلى دعوى قضائية متبادلة بين الطرفين، حول مَنْ يملك الحقوق الفعلية للنسخة المنزلية من اللعبة.
وحسب موقع «نيوإيغ»، عندما أُطلق جهاز «غيم بوي» في اليابان في 21 أبريل 1989 بسعر 12.500 ين، نفدت الدفعة الأولى البالغة 300 ألف جهاز فور طرحها. وعندما وصل الجهاز إلى السوق الأميركية 31 يوليو من العام نفسه مرفقاً بلعبة «تتريس» كهدية مجانية، باع أكثر من مليون وحدة خلال أسابيع قليلة، حسب ما ذكرته شبكة «إن بي آر» الإذاعية الأميركية.
وحسب موقع «غيم بوي ميوزيم» المتخصص في تاريخ الجهاز، لم تكن «تتريس» مجرد لعبة إضافية، بل كانت «الصفقة التي بنت إمبراطورية»، إذ حوّلت الجهاز المحمول من مجرد لعبة أطفال إلى عادة يومية يمارسها الجميع، من ركاب الحافلات إلى موظفي المكاتب، وباعت وحدها أكثر من 35 مليون نسخة، لتشكل نسبة كبيرة من إجمالي نجاح الجهاز.
وحسب موقع «توداي» التابع لشبكة إن بي سي، باعت «نينتندو» في النهاية أكثر من 150 مليون وحدة من عائلة أجهزة «غيم بوي» حول العالم، لتصبح بذلك، حسب وصف «نينتندو» نفسها، «أنجح جهاز ألعاب فيديو في التاريخ».
في هذه القصة، لم تكن «نينتندو» شركة متعثرة، لكنها كانت تراهن على جهاز محمول متواضع التقنية، مقارنة بمنافسين مثل «أتاري لينكس» و«سيغا غيم غير»، اللذين قدّما شاشات ملونة، بينما اكتفت نينتندو بشاشة رمادية بـ 4 تدرجات فقط.
الفرصة الحقيقية لم تكن في الجهاز نفسه، بل في قرار جريء اتخذه رجل أعمال واحد، راهن بممتلكاته الشخصية على لعبة بسيطة، اكتشفها في زاوية معرض تجاري.
وكما يثبت التاريخ، أحيانا لا تحتاج فرصة العمر إلى شركة عملاقة لتنطلق، بل تحتاج فقط إلى شخص واحد يرى ما لا يراه الآخرون، ويكون مستعداً للمخاطرة من أجله.