قراءة في بيتٍ من وجدان فهد العسكر
ليس هذا البيت عند فهد العسكر، مجرد شكوى عاطفية عابرة، بل هو صرخة نفسٍ أرهقها الصراع بين اللوم والرجاء، وبين الشك واليقين. ففي كلمات قليلة استطاع الشاعر أن يفتح أمامنا باباً واسعاً على عالمه النفسي المضطرب.
يبدأ الشاعر بقوله: «كُفّي الملام»، وهو أمرٌ لا يخلو من الرجاء والاستغاثة؛ فهو لا يواجه المخاطَبة بغلظة، وإنما يطلب منها أن تتوقف عن اللوم. وكأن اللوم، في لحظة الضعف الإنساني، لم يعد إصلاحاً ولا نصحاً، بل أصبح عبئاً جديداً يضاف إلى ما يحمله القلب من هموم.
وما أجمل هذه اللفظة في سياقها! فهو لا يطلب علاجاً حاسماً، ولا وعداً يقيناً، وإنما يطلب التعليل؛ أي تلك الكلمة التي تُسكّن القلب، والأمل الذي يخفف وطأة الألم، والوهم الجميل الذي يستطيع الإنسان أحياناً أن يعيش عليه حين تعجز الحقيقة عن مواساته.
إنه انتقال بديع من اللوم إلى التعليل؛ من كلمة تؤلم إلى كلمة تُداوي، ومن قسوة العتاب إلى رقة المواساة.
ثم يفاجئنا الشاعر بعلة هذا الطلب في قوله:
فالشك، في تصور الشاعر، لم يعد خاطراً عابراً أو تساؤلاً موقتاً، بل أصبح قوةً مدمرة استطاعت أن تُودي باليقين؛ أي تهلكه وتذهب به. وكلمة «أودى» ذات وقع شديد، فهي توحي بالهلاك والضياع والفناء، وكأن اليقين كان حيّاً في النفس، ثم جاء الشك فاختطفه وألقى به في هاوية الضياع.
إننا أمام صورة معنوية رائعة، جعل فيها الشاعر الشك قوةً فاعلةً، وجعل اليقين ضحيةً لهذا الشك. وهذه الصورة تكشف عن حالة إنسانية يعرفها كل مَنْ ذاق القلق؛ فما أكثر ما يبدأ الإنسان بيقينٍ ثابت، ثم يتسلل إليه الشك شيئاً فشيئاً، حتى لا يبقى من ذلك اليقين إلا ذكراه.
الملام في مقابل التعليل، والشك في مقابل اليقين.
وهذه الثنائيات تمنح البيت حركة نفسية متوترة؛ فالشاعر يقف بين قوتين متضادتين: من جهةٍ من يلومه، ومن جهةٍ قلبٌ يبحث عمن يواسيه، وبينهما يقينٌ كان يوماً ثابتاً، وشكٌّ جاء فزعزع أركانه.
ولعل عظمة هذا البيت تكمن في أن فهد العسكر لم يشرح لنا قصته، ولم يُكثر من التفاصيل، وإنما اختصر مأساة نفسية كاملة في شطرين. وهذه من خصائص الشعر الحقيقي: أن يقول القليل، ويترك في النفس أثراً كبيراً.
فـ «كُفّي الملام وعلِّليني» هي حاجة الإنسان إلى الرحمة حين يضعف، أما «فالشك أودى باليقين» فهي اعتراف الإنسان بأن أعظم ما يخشاه ليس الألم نفسه، وإنما ضياع ذلك اليقين الذي كان يسند روحه.
إنه بيت من الشعر يتجاوز مناسبة قائله، لأن كل إنسان قد يجد نفسه فيه في لحظة من لحظات الحياة؛ حين يثقل عليه العتاب، ويبحث عن كلمة حانية، بعدما يكون الشك قد بدأ يلتهم في داخله أجمل ما يملك: اليقين.
من هنا يبقى فهد العسكر شاعراً قادراً على تحويل جراح النفس إلى كلمات، وتحويل تجربته الخاصة إلى تجربة إنسانية عامة؛ ولذلك لا نقرأ شعره بأعيننا وحدها، بل نقرأه بشيءٍ من ذاكرتنا وأوجاعنا وأسئلتنا التي لا تنتهي.