ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم محمد سالم الراشد

تركيا وإسرائيل على حافة الصدام... خمس معادلات خليجية قد تغيّرها الحرب

لم يعُد التوتر التركي - الإسرائيلي مجرد حرب تصريحات، فقد انتقلت المنافسة إلى الميدان السوري عندما قصفت إسرائيل في 18 أغسطس قاعدة أبوالظهور الجوية شمال غربي سوريا، وأعلنت أن دمشق كانت على وشك السماح بتمركز قوات تركية فيها. وفي المقابل نفت أنقرة وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية، مؤكدة أن التعاون يقتصر على التدريب وتبادل الخبرات.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس رفع السقف أكثر، محذراً الرئيس رجب طيب أردوغان من «جرّ تركيا إلى مغامرات خطرة في سوريا» ومن «اختبار تصميم إسرائيل على الدفاع عن نفسها». وردت وزارة الدفاع التركية بأن على إسرائيل وقف هجماتها «المتهورة» والالتزام بالقانون الدولي. ثم انضمت السعودية وقطر وباكستان ودول أخرى إلى تركيا في إدانة الغارة، ووصفتها بأنها «تصعيد خطير» وانتهاك للسيادة السورية.

الحرب الشاملة ليست السيناريو الأرجح؛ لكن الاشتباك المباشر أصبح احتمالاً واقعياً أكثر من أي وقت مضى. والدليل أن المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، كشف أن تركيا لم تُخطر بالغارة الإسرائيلية، وأنها عندما رصدت الطائرات المتجهة شمالاً كان يمكن «بشكل معقول» أن تستعد لرد عسكري. ولهذا تعمل واشنطن على إنشاء آلية منع اشتباك بين تركيا وإسرائيل وسوريا. أما السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي فقال إن واشنطن لا تعتقد أن الطرفين قريبان حتى الآن من مواجهة مباشرة.

هذه المفارقة تلخص الموقف الأميركي: واشنطن لا تريد أن تختار بين حليف إستراتيجي، هو إسرائيل، وحليف أطلسي ثقيل، هو تركيا؛ ولذلك ستكون أولويتها منع الحرب، لا إدارة نتائجها.

إسرائيل تمتلك تفوقاً نوعياً جوياً واستخباراتياً وتكنولوجياً، وبلغ إنفاقها العسكري عام 2025 نحو 48.3 مليار دولار، مقابل 30 ملياراً لأنقرة. إلا أن تركيا تمتلك مساحة وسكاناً وعمقاً إستراتيجياً وصناعة دفاعية متنامية، فضلاً عن ثاني أكبر جيش في حلف «الناتو». ولذلك فإن حرباً طويلة ستختلف جذرياً عن الحروب الإسرائيلية مع خصوم أصغر جغرافياً وعسكرياً.

وهنا يدخل «الناتو». فالمادة الخامسة تعتبر الهجوم المسلح على الأراضي التركية هجوماً على الحلف كله، لكنها لا تفرض استجابة عسكرية موحدة تلقائياً؛ إذ يقرّر كل عضو الإجراء الذي يراه ضرورياً. كما أن ضرب قوات تركية داخل سوريا أكثر تعقيداً قانونياً من مهاجمة الأراضي التركية ذاتها. أما إذا تعرضت تركيا نفسها لهجوم واسع، فسوف يجد «الناتو» نفسه أمام اختبار تاريخي لا يمكن تجاهله.

والعامل الجديد هو اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. ففي 31 أغسطس، وبعد أقل من شهر من توقيعه، اتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة دائمة في السعودية، وتعزيز تكامل قواتها وصناعاتها الدفاعية بما يحقق، وفق البيان الرسمي، «مصداقية وفاعلية الردع والدفاع الجماعي». وهنا تصبح مهاجمة تركيا مسألة تتجاوز العلاقة التركية - الإسرائيلية إلى بنية أمنية إقليمية جديدة.

الثانية: معادلة الأمن الخليجي؛ فقد ينتقل مركز الثقل الأمني من الاعتماد شبه المنفرد على الولايات المتحدة إلى شبكة أوسع تضم تركيا وباكستان.

الرابعة: معادلة الطاقة والممرات. فالخليج يعاني أصلاً من اضطراب هرمز؛ وقد دفعت الأزمة الحالية الدول الخليجية إلى استثمارات بمليارات الدولارات في الموانئ والأنابيب والطرق البديلة. وحرب جديدة في شرق المتوسط وسوريا ستضيف اختناقاً جيوسياسياً ثانياً إلى اختناق هرمز.

الخلاصة أن الردع بين تركيا وإسرائيل يقوم على معادلة بسيطة: إسرائيل تستطيع إيلام تركيا، وأنقرة تستطيع تحويل الحرب إلى صراع طويل لا تستطيع إسرائيل ضمان نهايته. ولهذا ربما يكون الخوف المتبادل من الحرب هو أقوى مانع لاندلاعها.

لكن بالنسبة للخليج، الحكمة ألا ننتظر وقوعها؛ فالجغرافيا تقول إن حروب الآخرين في الشرق الأوسط سرعان ما تصل فواتيرها إلى أبوابنا.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓