من المُواجهة العسكرية إلى الاستنزاف الاقتصادي: الصراع الأميركي - الإيراني في مرحلة جديدة
دخل الصراع الأميركي - الإيراني مرحلة جديدة بعد أشهر من المواجهة العسكرية، إذ لم يعد معيار القوة مرتبطاً فقط بالضربات العسكرية وإنما انتقل بصورة متزايدة إلى الاقتصاد والعقوبات والطاقة والملاحة. ومع هدوء الجبهة العسكرية نسبياً بدأت واشنطن تعتمد بصورة أكبر على أدوات الضغط الاقتصادي لإضعاف قدرة إيران على الصمود في حين تحاول طهران الحفاظ على أوراق قوتها وتحسين موقعها في أيّ مفاوضات مقبلة.
ويعكس هذا التحول انتقال الصراع من مرحلة المُواجهة المباشرة إلى مرحلة الاستنزاف، فالولايات المتحدة تُراهن على أن استمرار العقوبات والضغوط الاقتصادية سيدفع إيران إلى تقديم تنازلات والعودة إلى التفاوض، بينما تُراهن طهران على قدرتها على تحمل الضغوط وعلى امتلاكها أوراقاً إستراتيجية يُمكن استخدامها في مواجهة واشنطن، ولذلك فإن الهدوء العسكري الحالي لا يعني انتهاء الصراع وإنما يعكس إعادة ترتيب للأوراق والإستراتيجيات.
ويبقى مضيق هرمز إحدى أهم أوراق القوة في هذه المرحلة باعتباره شرياناً رئيسياً للطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب في الملاحة عبره ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، أصبحت قضية الملاحة في هرمز جزءاً من المعادلة السياسية والتفاوضية أكثر من السابق بكثير، الأمر الذي يدفع دول الخليج إلى تسريع البحث عن مسارات بديلة وتعزيز قدراتها في مجال أمن الطاقة.
أما دول الخليج فتجد نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية، فهي من جهة حريصة على علاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة ومن جهة أخرى تسعى إلى تجنب الانخراط المباشر في الصراع أو تحول أراضيها ومصالحها الاقتصادية إلى ساحات للمواجهة. كما أن طول أمد الصراع يفرض تحديات على أمن الطاقة والتجارة والاستثمار ويجعل الاستقرار الإقليمي والدبلوماسية الوقائية أولوية متقدمة في السياسات الخليجية.
ومن الناحية السياسية فإن استمرار الصراع من دون حسم عسكري واضح يفتح المجال أمام الوساطات الإقليمية والدولية للبحث عن صيغة تفاوضية جديدة مثل الوساطه الباكستانية والقطرية والعُمانية، فالمرحلة المقبلة لن تقتصر على الملف النووي والعقوبات، بل ستشمل قضايا أوسع، مثل أمن الملاحة في الخليج، مستقبل مضيق هرمز، أمن الطاقة والضمانات التي تحول دون تجدد المواجهة، وبالتالي فإن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى معالجة جذور الصراع وليس فقط وقف العمليات العسكرية.
وفي المحصلة، فإن أخطر ما في هذا الصراع أنه بات يتحول إلى صراع طويل الأمد تتجاوز آثاره حدود الولايات المتحدة وإيران لتطول منطقة الخليج بأكملها، فاستمرار التوتر يفرض تكاليف أمنية واقتصادية وإستراتيجية متزايدة ويضع دول الخليج أمام ضرورة تعزيز أمنها الجماعي من خلال مجلس التعاون لدول الخليج وتنويع اقتصاداتها ومسارات الطاقة والتجارة مع مواصلة التحرك الدبلوماسي لمنع اتساع دائرة المواجهة.
ومن هنا، فإن مصلحة الخليج لا تكمن في استمرار الاستنزاف أو انتصار طرف على حساب آخر وإنما في الوصول إلى تسوية تضمن أمن دول الخليج وحرية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة وتعيد للمنطقة أمنها واستقرارها.