«تحولات الكتابة بين الورق والذكاء الاصطناعي»... على طاولة «الأدباء الكويتيين»

في قاعة الدكتورة سعاد الصباح، برابطة الأدباء الكويتيين، كان النقاش عن «تحولات الكتابة بين الورق والذكاء الاصطناعي» ثرياً، بين الباحث والكاتب طلال العامر، والشاعر ومعد برامج الذكاء الاصطناعي صلاح دبشة، خلال جلسة حوارية جمعتهما ضمن فعاليات مهرجان «صيفي ثقافي 18»، وأدارتها الكاتبة والمترجمة هدى كريمي.
كما شاركت مترجمة لغة الإشارة الكويتية مريم الحربي في الجلسة، بما أسهم في إتاحة محتواها لمختلف فئات المجتمع، بحضور رئيسة لجنة الأنشطة الثقافية في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب فوزية العلي، ورئيسة اللجنة الثقافية في رابطة الأدباء أفراح الهندال، ورئيسة اللجنة الاجتماعية لوجين النشوان، وعدد من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.
وفي مستهل الجلسة، قالت كريمي «منذ أن خط الإنسان الأول أثره على جدار الكهوف، وهو يخوض معركته الخالدة ضد النسيان. فكانت الكتابة أعظم ما ابتكرته يد البشر، بها حفظنا الذاكرة، وعبرت الحضارات من ضفة الفناء إلى ضفة الخلود، وبها صار الغائب حاضراً، والفكرة العابرة صرحاً تسكنه الأجيال».
وأضافت «في جلستنا هذه، نمد جسراً بين زمنين: زمن الجداريات الأولى حيث ولدت الكلمة، وزمن الذكاء الاصطناعي حيث تختبر الكلمة».
وأكد أن الكتابة تمثل إحدى أبرز الثورات في تاريخ الإنسان، مستشهداً بواقعة ترويها الباحثة في علم الآثار سيلفيا فيرّارا خلال زيارتها لمتحف العلوم والتكنولوجيا في ستوكهولم، حيث وجدت 100 نصب تضم مجسمات لأهم اختراعات العقل البشري، وفق استفتاء أجراه المتحف، وجاءت العجلة أولاً، والكهرباء ثانياً، والهاتف ثالثاً، والحاسب الآلي رابعاً، بينما احتلت الكتابة المرتبة الثلاثين، وهو ما أثار استغراب فيرّارا ودفعها إلى تأليف كتاب «أعظم اختراع» لإبراز مكانة الكتابة في تاريخ البشرية.
وأوضح العامر أن الكتابة أدت دوراً محورياً في حفظ العلوم والتاريخ وإدارة المعرفة وصون اللغة، مشيراً إلى أن البشرية عاشت قبل ظهورها مرحلة الثقافة الشفاهية، التي اعتمدت على الحفظ والتكرار والمرويات الشعرية والخطب والأمثال والأخبار والأنساب في نقل المعرفة بين الأجيال.
وبيّن أن «الحرف يمر في التجربة الإنسانية بثلاث مراحل، تبدأ بالتصور الذهني والروحي، ثم النطق، وأخيراً الكتابة التي تمنح الحرف شكلاً بصرياً أكثر دقة وتماسكاً»، لافتاً إلى أن تاريخ الكتابة مر بمراحل طويلة من التطور، وأن ما وجد في الكهوف يؤكد قدم محاولة الإنسان لتسجيل أفكاره وآثاره.
من جانبه، تناول صلاح دبشة الكتابة في عصر التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي كأداة للكاتب، والإبداع الإنساني في مواجهة الآلة، وأخلاقيات الكتابة بالذكاء الاصطناعي، ومستقبل الكاتب العربي في ظل التحولات التقنية، مستعرضاً كذلك رؤى وتجارب شخصية.
وأوضح أن الكاتب في البيئة الورقية يعتمد على أدوات ملموسة، ويعمل بوتيرة أبطأ نسبياً مع مصادر معلومات محدودة تتطلب جهداً أكبر للوصول إليها، بينما تتميز البيئة الرقمية بسرعة الإنجاز وتوافر المعلومات وسهولة الوصول إليها. لكنه أكد أن اختلاف الأدوات لم يغيّر الهدف الأساسي من الكتابة، وأن بعض الكُتّاب يجمعون بين البيئتين وفق احتياجاتهم وأساليبهم.
وأشار دبشة إلى إمكان الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في البحث وجمع المعلومات، وإبداء الملاحظات النقدية، والترجمة، والتدقيق الإملائي والنحوي، مع الحفاظ على حضور الكاتب وصفته الإبداعية.
وحول امتلاك الذكاء الاصطناعي «صوتاً أدبياً خاصاً»، ميّز بين الصوت والأسلوب، موضحاً أن الآلة تستطيع محاكاة أساليب أدبية مختلفة، لكن الصوت الأدبي يرتبط بموقع الإنسان في العالم، وجسده وذاكرته وتجربته وما يراه وما يخسره، وهو ما يجعل الصوت أعمق من مجرد خصائص لغوية قابلة للمحاكاة.
في حديثه عن الإبداع الإنساني في مواجهة الآلة، أكد دبشة أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج نصوص مقنعة، وقد تتفوق فنياً على نصوص بشرية كثيرة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة على إنتاج الأدب بمعناه الحقيقي، لأنه يميل إلى إعادة إنتاج الأنماط الأكثر شيوعاً وتكراراً في البيانات التي تدرب عليها.