سيكولوجيه سبتمبر

يصل سبتمبر كل عام ومعه طقس غريب، لا تعلنه شركات السيارات رسميا، لكنه يتكرر في صالات العرض. يتغير رقم صغير في نهايه اسم الموديل، فيشعر المستهلك ان سيارته اصبحت فجاه اقدم مما كانت عليه قبل شهر واحد فقط. يصل موديل جديد الي المعرض، بينما لا يزال موديل العام الحالي جديدا عمليا، وربما اكثر جاذبيه بسبب الخصومات، ومع ذلك تتجه الانظار تلقائيا الي الرقم الاحدث. في جهه، تقف طرازات العام الحالي علي منصات العرض، محمله بخصومات مغريه وعروض تمويليه استثنائيه قد لا تتكرر خلال العام، وتقدم الاداء الهندسي ذاته، ومعايير الراحه والامان ذاتها، والتكنولوجيا نفسها تقريبا. وفي الجهه المقابله، يقف «الموديل القادم»، الذي لم تصل شحناته بعد، بسعر اعلي ومن دون خصومات تذكر، لكنه يحمل وعدا برقم جديد سيكتب علي استماره المركبه وتفاصيلها الخلفيه. المفارقه ان الفارق بين موديل واخر قد يكون محدودا جدا، بينما الفارق في نظره المستهلك اليهما يكون اكبر بكثير. قد يحصل المشتري علي السياره نفسها تقريبا، بالمحرك ذاته والتجهيزات ذاتها، لكنه يشعر ان الرقم الجديد يمنحه افضليه لا تقدمها ورقه المواصفات بالضروره. وفي المقابل، قد يقف موديل السنه الحاليه امامه بخصم كبير، فيتردد في اقتنائه فقط، لانه لا يريد ان يشعر بانه اشتري «عاما مضي»، بينما يستطيع دفع المزيد للحصول علي الرقم التالي. وهنا تظهر فكره «الوجاهه الزمنيه». فبعض المشترين لا يريدون فقط سياره جيده، بل يريدون سياره تحمل احدث سنه ممكنه، لان سنه الصنع اصبحت في بعض الحالات جزءا من الصوره الاجتماعيه للسياره وصاحبها. الرقم الجديد يتحول من معلومه فنيه الي رساله ضمنيه: هذه السياره حديثه، وصاحبها يواكب الجديد. وقد يكون هذا العامل اكثر تاثيرا في قرار الشراء من فارق بسيط في التجهيزات او القوه او حتي السعر، حتي وان كان الفارق الفني بين الطرازين لا يتعدي لمسات جماليه بسيطه في الاضاءه او شبك التهويه. هذا الانحياز النفسي هو ما تجيد صناعه السيارات استغلاله ببراعه وتخطيط دقيق. فالصناعه الحديثه لا تبيع المكونات الميكانيكيه فقط، بل تبيع الشعور بالسبق والتجدد. يتراجع التفكير العقلاني، الذي يزن القيمه مقابل السعر، ليحل محله خوف غير معلن من اقتناء شيء يصنف غدا بانه «موديل العام الماضي»، وكان تاريخ الانتاج يحدد القيمه الشخصيه للمالك، لا العمر الافتراضي للمركبه. وتشتعل المنافسه بين الوكلاء، وتتحول المبيعات الي سباق مع الزمن لتفريغ المخزون القديم واستقبال الشحنات الجديده، بينما يقف العميل وسط هذه الدوامه محاصرا بالتردد. كما تدخل اعاده البيع في الحسابات، اذ يتوقع البعض ان يمنحهم الموديل الاحدث قيمه افضل مستقبلا، رغم ان فارق سنه واحده لا يعني بالضروره فارقا كبيرا في القيمه مقابل ما دفع عند الشراء. ولا يعني ذلك ان شراء الموديل الاحدث قرار خاطئ. ففي بعض الحالات ياتي العام الجديد بتحديثات حقيقيه في المحرك او السلامه او التكنولوجيا او التصميم. المشكله تبدا عندما يصبح الرقم وحده سبب القرار، وعندما يتحول «الاحدث» من ميزه الي هاجس. انها حمي موسميه تتكرر بدقه متناهيه كل خريف، واختبار حقيقي للوعي الاستهلاكي بين من يري السياره اداه تؤدي وظيفتها بكفاءه وميزانيه متزنه، ومن يراها بطاقه تعريف زمنيه تدفع به نحو فخ الرقم الجديد. ومع انقضاء سبتمبر وتلاشي غبار التسابق علي الموديلات الحديثه، يكتشف السائق غالبا ان الطريق هو ذاته لم يتغير، وان تجربه القياده اليوميه هي ذاتها. لكن يبقي السؤال: اذا كنا نبحث عن الجديد كل عام، فلماذا تبدو السيارات الجديده نفسها اكثر تشابها عاما بعد عام؟ هل ما زالت تحمل روحا تميزها في الشارع، ام ان الشغف بكل ما هو حديث بدا يذيب هويه الاله وافقدها طابعها الخاص؟ مشعل يوسف الصفران