ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasالقبس الثقافي

سامي محمد.. الفنان الذي جعل الالم ماده للنحت

سامي محمد.. الفنان الذي جعل الالم ماده للنحت

رحل الفنان سامي محمد، احد اهم الاسماء التي صنعت تاريخ الفن التشكيلي الكويتي الحديث، بعد انتكاسه صحيه تعرض لها خلال الايام الاخيره استدعت دخوله المستشفي، لتنتهي مسيره فنيه امتدت اكثر من سته عقود، ظل خلالها واحدا من اكثر الفنانين الكويتيين التصاقا بالانسان واسئلته، واكثرهم قدره علي تحويل الالم والخوف والانتظار والمقاومه الي صور واجساد وكتل تنحت مكانها في الذاكره. ولد سامي محمد احمد الصالح في الكويت عام 1943، في منطقه شرق، حيث بدات علاقته بالفن في وقت كانت فيه الحركه التشكيليه الكويتيه تتلمس ملامحها الاولي. كان شغفه المبكر بالطين والاشكال فاتحه الطريق الي تجربه لم تكن عابره في حياته، فقد اخذ الفن عنده شكل اختيار طويل، سرعان ما تحول الي مشروع كامل، شارك من خلاله في بناء المشهد التشكيلي الكويتي، كما شارك في صياغه بعض اسئلته الكبري. في عام 1962 حصل علي منحه للتفرغ في المرسم الحر، وكانت تلك المحطه من البدايات المهمه في تكوينه الفني. ثم انتقل الي القاهره لدراسه النحت في كليه الفنون الجميله، وواصل بعد ذلك تعليمه وتجربته خارج الكويت، قبل ان يعود محملا بمعارف وتجارب جديده، وبحساسيه فنيه اخذت تتبلور بعيدا عن التقليد المباشر. كان سامي محمد من جيل الفنانين الذين لم يجدوا امامهم مشهدا فنيا مكتمل المؤسسات ينتظرهم، فكان عليهم ان يسهموا في تاسيسه بالتوازي مع بناء تجاربهم الخاصه. وفي عام 1967 كان من الاعضاء المؤسسين للجمعيه الكويتيه للفنون التشكيليه، ليصبح اسمه مرتبطا منذ وقت مبكر بمسار الحركه التشكيليه الكويتيه نفسها، وليس بمجرد المشاركه في معارضها. ومع مرور السنوات، اخذت تجربته تنفرد اكثر فاكثر. لم يتعامل سامي محمد مع النحت بوصفه لعبه شكليه او تمرينا علي اتقان الماده، فقد كانت الكتله عنده تحمل موقفا، وكان الجسد وسيله للتعبير عن حاله داخليه تتجاوز ملامحه الخارجيه. ولهذا حضرت في اعماله موضوعات الانسان المقهور، والجسد المقيد، والام، والجوع، والموت، والذاكره، والحرب، والبحث عن الحريه. كانت منحوتاته تمنح الجسد معني يتجاوز الجسد نفسه. اليد الممدوده عنده يمكن ان تكون طلبا للنجده، والانحناءه يمكن ان تحمل ثقل حياه كامله، والوجه المشدود يمكن ان يتحول الي ذاكره جماعيه. وكلما اقترب من الانسان في لحظته الاشد ضعفا، بدا اكثر قدره علي استعاده كرامته الفنيه، وكانه كان يبحث داخل الالم عن المساحه التي يستطيع فيها الانسان ان يقاوم. ومن هنا جاءت اعماله التي تناولت قضايا عربيه وانسانيه كبري، ومنها اعمال ارتبطت بماساه صبرا وشاتيلا، وغيرها من التجارب التي جعلت من النحت شهاده علي ما يحدث خارج المرسم. كانت فلسطين حاضره في وجدانه الفني من خلال ذلك الاصرار علي الا تتحول الماساه الي رقم عابر، وان يحتفظ الجسد الموجوع بمكانه في الذاكره. ومن ابرز المفردات التي التصقت بتجربته «الصرخه»، التي تحولت عنده الي موقف فني وانساني متكرر. الصرخه في اعمال سامي محمد لم تكن مجرد تعبير عن الالم، وانما كانت محاوله للخروج منه، واحتفاظا بامكان المواجهه حتي عندما تبدو الاشياء اكثر قسوه من قدره الفرد علي احتمالها. ولهذا تبدو اعماله، حين ننظر اليها اليوم، اقرب الي سجل بصري لاسئله الانسان العربي خلال عقود مضطربه. فقد عاصر تحولات سياسيه واجتماعيه كبري، ومرت امام عينيه حروب وانتكاسات واحلام وانكسارات، فاختار ان يحمل شيئا من كل ذلك الي مرسمه، ثم يعيده الي الناس في صوره عمل فني. كان النحت عند سامي محمد يحتاج الي الصبر. فالماده الصلبه لا تمنح اسرارها بسهوله، والازميل لا يترك للفنان فرصه التراجع بعد الضربه. وربما لهذا بدت تجربته في كثير من مراحلها شديده الصله بفكره المقاومه نفسها. كان الفنان يحفر في الماده كما لو انه يحفر في ذاكره ثقيله، وكل ضربه تزيح طبقه لتظهر تحتها هيئه انسان ينتظر ان يري النور. وقد حظيت تجربته خلال مسيرته بتقدير واسع، وحصل علي عدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزه الدوله التشجيعيه عام 1999، ثم جائزه الابداع الفني من مؤسسه الفكر العربي، وجائزه الدوله التقديريه عام 2015. كما وصلت اعماله الي محافل فنيه عربيه ودوليه مهمه، وشارك في مناسبات جعلت الفن الكويتي حاضرا خارج حدوده المحليه. وكان حضوره في المشهد التشكيلي الكويتي يتجاوز المعرض والعمل المنفرد. فقد ظل طوال سنواته جزءا من ذاكره جيل كامل من الفنانين، ومن حكايه تاسيس الحركه التشكيليه الكويتيه وتطورها، ومن ذلك الزمن الذي كان فيه الفنان يشتغل علي مشروعه وسط ظروف اقل اتساعا مما توفره الساحه الفنيه اليوم. وحين نعود الي تجربه سامي محمد بعد رحيله، فان السؤال لا يتعلق فقط بما انجزه الفنان خلال حياته، وانما بما فعلناه نحن تجاه ما انجزه. فالاعمال الكبيره تحتاج الي ذاكره تحفظها، والي مؤسسات تجمعها، والي دراسات تقراها، والي اجيال جديده تستطيع الوصول اليها من دون ان تبقي رهينه الصور المتفرقه والذكريات الشخصيه. وكان سامي محمد قد تحدث في سنوات سابقه عن حلمه بوجود متحف خاص يضم اعماله، وهو حلم يتجاوز صاحبه الان الي مسؤوليه ثقافيه اوسع. فالفنان الذي قضي عمره في صناعه الذاكره البصريه للكويت يستحق ان تكون اعماله جزءا واضحا من ذاكرتها العامه، وان يجد الباحث والطالب والمتلقي مكانا يستطيع فيه ان يري تجربته كامله، وان يتابع تحولاتها، وان يفهم موقعها في تاريخ الفن الكويتي والعربي. رحل سامي محمد اقبل ايام في الكويت عن 82 عاما، بعد ان ترك وراءه اعمالا كثيره، وترك معها سؤالا اكبر من حدود النحت نفسه: ماذا يفعل الفن حين يقرر ان يقف الي جانب الانسان في اكثر لحظاته الما؟ ربما تكمن الاجابه في تلك الوجوه التي صنعها، وفي الاجساد التي بدت مثقله بما لا تستطيع الكلمات حمله، وفي الايدي التي ظلت تمتد من داخل اعماله كانها تبحث عن يد اخري. هناك، في الماده التي قاومت يده طويلا ثم استجابت لها، بقي شيء من سامي محمد. غاب الفنان، وتبقي منحوتاته في المكان الذي اراده لها: شاهده علي زمنها، وعلي اسئلتها، وعلي الانسان الذي ظل طوال حياته الفنيه يبحث له عن موضع قدم وسط كل هذا الالم. وهذا هو الارث الاصعب للفنان: ان يغادر جسده، فيما تظل يده حاضره في اعماله، وان يواصل الحجر، بعد رحيله، قول ما كان يريد قوله.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓