تجليات الوعي المتشظي في روايه «وقوفا علي الاصابع»

د. سلوي العباسي - قد لا نري في الحديث عن التجريب في السرد العربي المعاصر ترفا نقديا او مجرد توصيف شكلي لطرائق كتابه متباينه؛ نعده مدخلا ابستمولوجيا لا غني عنه لاستيعاب التحولات العميقه التي طالت بنيه الروايه ووظيفتها المعرفيه، تتجاوز في تجلياتها المتعدده، حدود المغامره الشكليه او الانزياح التقني عن انماطها التقليديه، لتتحول -في ظل انكسارات المرجعيات الكبري وتاكل السرديات الجامعه- الي فضاء كتابي زاخر بالتجارب والتصدعات في ان معا؛ فضاء يعكس، في مساراته واتجاهاته، جراه كتابه الذين اثروا، عبر الفن والقول الحر، مواجهه واقع مشرع علي احتمالات عده. في هذا الافق تحديدا مما بات يصطلح عليه بـ«تيار الوعي»، تتنزل روايه «وقوفا علي الاصابع» الصادره حديثا للاديب جاسم سلمان، نصا تجريبيا مغامرا يعكس هذا الوعي القلق، ويشتغل علي تفكيك عوالم الذات المعاصره واعاده بنائها داخل شبكه من التوترات الفكريه والوجوديه؛ اذ تروي الروايه بحجمها الكبير (596 صفحه) وفصولها الاحد عشر حكايه ميخائيل الرومي المثقف العراقي المسيحي الكهل الهارب من بلاده واهله الي وطن الغربه والحمايه امريكا، بعد ان الحقت به تهمه الخيانه من ضديديه المتصارعين اللذين اتخذا من امتهانه الترجمه من الانكليزيه الي العربيه اثناء حرب العراق ذريعه للادانه؛ فاذا به يرحل الي بلد محتل وطنه امريكا، صحبه زوجته ماري، لاجئا يستجير برمضاء النفي من نيران الحرب ويغدو باصطفاء عجيب من الكاتب حامل النصيب الاثقل من اعباء التجربه وارزاء الماساه من بدايه الحكايه حتي نهاياتها («هل تعلم ماذا يعني اختيارك دون الانام جميعهم لتحمل وزر الخيانه؟») سرديه متشظيه وتنهض الروايه منذ ملمحها الاول علي بنيه سرديه متشظيه تتداخل فيها الذاكره بالتحقيق، والواقع بالهذيان، والتاريخ الشخصي بتاريخ العراق الحديث، عبر مسار شخصيه ميخائيل، اثر اتهامه بالخيانه وانزلاقه تدريجيا نحو الانهيار النفسي. تبدا الحكايه بايحاء غامض بغيابه او موته، وبدفتر يخلف فيه اعترافاته وتاملاته، مستحضرا طفولته في البصره وما طبعها من حروب وفقد ونهب وخراب، حيث تتشكل رؤيته للعالم من خلال الخوف واللغه والذاكره. وفي المقابل، يتنامي قلق زوجته ماري بعد اختفائه، فتستعيد هي الاخري ذاكره الخراب العراقي، بينما يتحول دفتره الي محور للتحقيق وكشف الحقيقه ومع انتقالهما الي نيويورك، تتكثف ثيمه الخيانه علي شاكله سؤال مركزي ظل يلاحق ميخائيل، سواء افي علاقته بوطنه او بلغته او ذاته؛ ولا سيما مع ماضيه مترجما جندته القوات العسكريه الامريكيه. فتتعمق غربته وتتوتر علاقته بماري، التي بقيت تتارجح بين التمسك به والرغبه في الانفلات من عبء العلاقه والضياع في المنفي. ثم، وعلي مدار احداث الروايه، تتصاعد وتيره التحقيقات لتغدو محاكمه رمزيه للتاريخ والحروب وقيم الوفاء والانتماء الي وطن الانسانيه جمعاء، بالتوازي مع تدهور حالته النفسيه ودخوله فضاء الهلوسه وشقاء الوعي، بما يطرح سؤالا مفتوحا حول جنونه او علي النقيض من ذلك فرط وعيه بجنون العالم. وتتسع دوائر القلق اكثر فاكثر عبر شخصيات اخري اعترضته في طريقه ذات اصول عرقيه وديانه مختلفه، قدمت هي ايضا فرارا الي العالم الجديد من حطام عوالمها تنشد استقرارا واجابه عن اسئله الذات بجميع ابعادها؛ اذ يتقاسمون جميعا علي اختلاف مسارات مساردهم القصصيه هاجس الرحله وتحولات المرحله وهمومها، ويخوضون تجارب مضنيه من الارتحال والتشرد او الرغبه في اكتشاف منزله الانسان في عالمه المتقلب بمفارقاته، ومن ثم كانت الرحله ضربا في اتجاهات متباينه. تجربه المنفي فجسمت شخصيات الروايه بتعدديه اصوات حكيها نماذج مختلفه لتجربه المنفي، منها العجوز جوزيف المصري ذو الاصول اليونانيه الوراق المكتبي مشغل ميخائيل في امريكا وزوجته ليزا الامريكيه اللاتينيه، والعجوز«روبن هود» بواب العماره ذو الاصل الافريقي وزوجته مارغريت، وهارون الشاعر اللاجئ السوري الهارب من وطنه المثخن بالجراح، وونس عازف الناي العراقي، وتيمور الارستقراطي التركي، والغجر الرحل المقيمون في الخيام... ثم قد نلحظ في السياق نفسه ان خريطه الحكي تميل من ناحيه مقابله الي الانكماش التدريجي حينما تتقلص امتداداتها الخارجيه لتندس في فضاءات نفسيه ذهنيه بالاساس، عصيه علي الادراك الحسي المباشر. ويتجلي ذلك بوضوح حين ينكفئ ميخائيل علي عوالمه الداخليه المثقله بالاحزان والعذابات؛ حيث تتداخل حالات الهذيان والذهان، وتغدو التجربه السرديه اقرب الي تمثيل درامي لاضطراب الذات وتصدع وعيها الموتور بالقلق؛ اذ كثيرا ما «تتشوش ذاكرته برواسب سنوات، مترعه بالندوب وروائح الخوف ورجات الموت وبارود الدبابات والبنادق». ماساه الانسان وبذلك، تنهض هذه الشخصيه داخل مبني حكائي موحد بوظيفه تمثيليه استطلاعيه «مبئره» تامليه سرياليه في ان، تتجاوز بها حدودها الفرديه، لتغدو معادلا رمزيا لماساه الانسان في تعدد ازمنته وامكنته، وفي تعقد شروط وجوده وتصدع يقينه. ومع حلول لحظه الكارثه او الذروه، تتحول محاكمه ميخائيل بتهمه الخيانه الي مشهد كوني يتداخل فيه التاريخ بالاسطوره والهذيان، ويغدو معه التوازن الانساني هشا في عالم مضطرب. وتنتهي الروايه دون حسم نهائي لمصير البطل الذهاني او حقيقته، تاركه اياه معلقا بين صوره الخائن والضحيه، بوصفها تاملا عميقا في انهيار الانسان واسئله الهويه والانتماء والوفاء في زمن الخراب والتشظي. ولا يتردد الكاتب، تبعا لذلك، في ان ينحت للقارئ صوره بطل غير اعتيادي، تتجسد فيه سمات المثقف الشغوف بالكتب ومخطوطات التاريخ وسرديات الفتوحات والماثر. ومن ثم فهو بطل مثقل باسئله الوجود ومازقه، متامل تناقضات الواقع وانكساراته. ناهض باعباء «نبوءه كاتب في مجتمع لا يري ما يراه»؛ ولاسيما حينما «لا ينفع المبصر نظره وسط العميان». لعبه الحكي وعلي هذا النحو، تنهض لعبه الحكي علي ثنائيه حديه من الابصار والتعميه، تمعن في تشكيل هذا الكائن الروائي العجيب علي هيئه ملتبسه ملغزه؛ اذ يبدو كانه كيان هجين، نصفه بشر ونصفه الاخر قد من ورق ومداد واضغاث ذاكره. ومع ذلك، يظل مرهف الحس، يصغي الي دبيب حركات السرد من حوله، ويحدد رؤيته لالتقاط ما يعجز الاخرون عن ادراكه. فيتجاوز محيطه معرفه ووعيا، ولا ينقطع ابدا عن ان يسال بالحاح، وما من مجيب. فمما علمناه عنه انه «ينادونه الاحمر ودمه يري من تحت جلده الاشقر. كان شفافا وما يزال» وانه يلبس «وجها كقناع نحاسي بلا عينين» حينما يغضب وتحتقن وجنتاه ويعروهما الاحمرار، اضافه الي كونه شرها اكولا لا يقاوم الشاي العراقي والاطباق التقليديه العراقيه كانه يصب فيها جام جوعه لوطنه؛ ولاسيما وهو «يحمل عراقه اني سار معه». وفوق هذا نجده شغوفا بالكتب والمخطوطات والتاريخ، واسع المعرفه والثقافه، بارعا في الترجمه «يتفاعل مع النصوص ويتفاعل مع اساليب كتابها بسرعه فائقه». غير انه يحمل في المقابل ملامح خلقيه نفسيه غير مستقره، تنعته زوجته ماري تاره بكونه «سريع الاشتعال» وطورا بكونه من ذوي الدم البارد كالزواحف وبـ«عديم الفائده». فعلي ما تتسم به علاقته بزوجته ماري من صراعات وتوترات، كان يعشقها الي ابعد الحدود حتي وان ظل يعجز عن ارضائها. وقد جسدا معا انموذجا حيا للزوج المتوتر، تصل بينهما علاقه سرديه وزوجيه متصدعه هي ايضا، بالحضور والغياب، والبرود والصمت، وتاجج المشاعر وانطفائها، نراهما في اغلب الاوقات. ومن ثم كان اتجاه الكاتب جاسم سلمان، الي بلوره نموذج سردي مستحدث للبطل التجريبي «الريبي»، الموصوم بالعار،«الميت الحي»، «المصلوب علي ذاته»، المعلق بين ثنائيات متضاده: الحياه والموت، الحضور والغياب، الانتفاء والقيام، اليقين واللايقين. وهو ما يجعل منه صوتا ملغوما بالاسئله يتبدي في صوره حقيقه مموهه مغلفه بالغموض والغياب واليقين و«اللايقين» حتي حياته وموته بقيا لغزا واحجيه. لغز الحكايه ولا يماط اللثام عن لغز الحكايه الا حينما تبلغ الروايه قفلتها، فنكتشف لحظتها ان القصه باكملها هي اختراع فني مقصود من نسج خيال البطل نفسه، حيله ابتدعها امعانا في التجريب والتعميه؛ اذ لم يكن خائنا ولا ذهانيا ولا مهلوسا ملبوسا؛ انما يحمل في ذهنه السردي اقوي تجليات الوعي والمعرفه بما يكتب؛ وقد الف كل هذه الاحبوكه واعيا كاصحي ما يكون، جسد ذهانه ببراعه، واودع مخزون وقته وخلاصه مشاعره وعصاره ذاكرته في لعبه من ورق. الحداثه السائله نختتم هذه اللمحه النقديه لروايه «وقوفا علي الاصابع» لجاسم سلمان بقولنا انها روايه تتحرك ضمن افق ما يسميه زيغمونت باومان «الحداثه السائله». ففي هذا العالم السائل تتفكك الهويات الثابته، وتصبح الحدود بين الوطن والمنفي، والخيانه والنجاه، اكثر ضبابيه. واننا لنلمس في العنوان نفسه ما قد يلخص مشروعها في بحثها عن «التوازن المستحيل» بين جميع ابعاد التجربه الانسانيه، فالوقوف علي الاصابع ليس وضعيه جسديه فحسب، انه يختزل حاله وجوديه باكملها؛ محاوله دؤوبه لرؤيه ما لا يري ومنها تفادي السقوط النهائي وبلوغ مشارف حقيقه اعلي من مجرد اكتساب قدره جسديه علي الاحتمال والعيش في القيامه وفي مصحه العالم الكبري. * ناقده من تونس