عندما ترتفع اسعار الوقود

بينما يتسابق العالم نحو «المستقبل الاخضر» وتتصاعد الوعود بالتخلي الكامل عن محركات الاحتراق الداخلي لمصلحه الكهرباء، بدات تظهر في الافق غيوم من نوع اخر. فالثوره التي يقودها المحرك الكهربائي لا تعتمد فقط علي الاسلاك والبرمجيات، بل ترتكز بشكل اساسي علي ما يعرف بـ «الوقود الجديد»: المعادن النادره. وهنا يبرز التساؤل الحقيقي: هل يمكن لصناعه السيارات ان تصمد تحت ضغط الارتفاع الجنوني في اسعار الليثيوم والكوبالت؟ ان السيارات الكهربائيه، في جوهرها، هي «مخازن متنقله للمعادن». فالبطاريه التي تمنحك الهدوء والسرعه تتطلب كميات هائله من الليثيوم والنيكل والكوبالت، وهي معادن لا تتوافر بوفره في كل مكان، بل تتركز في مناطق جغرافيه محدوده، وغالبا ما تكون عرضه للتوترات السياسيه. هذا التركز الجغرافي جعل من هذه المعادن «نفط القرن الواحد والعشرين»، حيث تؤدي اي اضطرابات في سلاسل التوريد او زياده في الطلب الي قفزات سعريه هائله تنعكس مباشره علي تكلفه تصنيع السياره، وبالتالي علي سعرها النهائي في صالات العرض. لقد اصبحت اسعار الليثيوم، علي وجه الخصوص، مؤشرا حيويا لمستقبل الصناعه. فمع تزايد اقبال المستهلكين في الكويت والعالم علي السيارات الكهربائيه، ارتفع الطلب علي البطاريات بشكل فاق قدره المناجم علي الامداد. هذا «الاختناق المعدني» يضع شركات السيارات امام مازق حقيقي؛ فكيف تفي بوعودها في توفير سيارات كهربائيه باسعار معقوله بينما ترتفع تكلفه المكون الاساسي لها؟ هذا الضغط لم يعد مجرد ازمه اقتصاديه، بل اصبح تحديا تقنيا دفع الشركات للبحث عن بدائل، مثل تطوير بطاريات تعتمد علي الصوديوم او تقليل نسبه الكوبالت، الذي تحيط بظروف استخراجه تساؤلات اخلاقيه وبيئيه كبري. في الواقع، ان «ضغط المعادن» يعيد صياغه مفهوم الاستدامه نفسه. فالشركات التي تضع «الانسان اولا»، تدرك ان حمايه البيئه لا يجب ان تاتي علي حساب تدمير مناطق اخري من الكوكب لاستخراج المعادن. لذا، بدا التوجه نحو «الاقتصاد الدائري»؛ اي اعاده تدوير البطاريات القديمه لاستخراج المواد الثمينه منها مره اخري، وتحويل البطاريه المستعمله من «نفايات» الي «منجم متجدد». ولا يتوقف الامر عند التصنيع، بل يمتد الي الصيانه ايضا. فارتفاع تكلفه المواد يعني ان قطع الغيار قد تصبح اكثر تكلفه او اقل توفرا في بعض الحالات. وهنا يتقاطع هذا الموضوع مع ما تحدثنا عنه سابقا: تجربه ما بعد البيع. فتوفر القطع وسرعه الاصلاح لم تعد مساله لوجستيه فقط، بل مرتبطه بشكل مباشر بسوق المواد العالمي. في الكويت، قد لا يظهر هذا التاثير بشكل مباشر في البدايه، لكنه موجود. تغير الاسعار، اختلاف المواصفات بين دفعه واخري، او حتي تاخر بعض الطرازات، كلها مؤشرات علي ان ما يحدث في مصانع بعيده، يصل تاثيره الي السوق المحلي بشكل او باخر. ومع كل هذه التحديات، لا تقف الشركات مكتوفه الايدي. بل تبدا في اعاده التفكير في كل شيء: من اختيار الموردين، الي تصميم السياره، الي استراتيجيات الانتاج. الهدف لم يعد فقط تقديم سياره جيده، بل تقديم سياره يمكن انتاجها واستمرارها في سوق متغير. لكن، بعيدا عن صراع المناجم وتكلفه التصنيع، هناك محرك اخر يحرك قراراتنا اليوميه كبشر. محرك يرتبط مباشره بجيوبنا وبالمبالغ التي ندفعها في كل مره نتوقف فيها عند محطه التزود بالطاقه. فالارقام التي تظهر علي شاشه «المضخه» قد تكون هي الدافع الاكبر لتغيير قناعاتنا القديمه. في المقال القادم، سنغوص في سيكولوجيه السائق واختياراته عندما تضيق الخيارات الاقتصاديه: «عندما ترتفع اسعار الوقود.. كيف يتغير اختيار الناس للسيارات؟».. وكيف نتحول تدريجيا، وبفعل الضروره، نحو عالم الهجين والكهرباء؟ مشعل يوسف الصفران
بينما يتسابق العالم نحو «المستقبل الاخضر» وتتصاعد الوعود بالتخلي الكامل عن محركات الاحتراق الداخلي لمصلحه الكهرباء، بدات تظهر في الافق غيوم من نوع اخر. فالثوره التي يقودها المحرك الكهربائي لا تعتمد فقط علي الاسلاك والبرم
الحدث: تحذير من أزمة نقص المعادن النادرة وتأثيرها المباشر على ارتفاع أسعار السيارات الكهربائية ووقودها