مشاهدات تروي للمره الاولي .. «سيدي جناح».. مؤسس باكستان

سعادت حسن منتو ترجمه عن «الارديه»: نوزاد جعدان هذا الكلام يعود الي عام 1937 حين كانت «الرابطه الاسلاميه» في مطلع شبابها، وكنت انا ايضا في اوج الشباب، تلك المرحله التي تتملك فيها الانسان رغبه جامحه لفعل شيء اي شيء كان، كنت قوي البنيه وممتلئا بالحيويه وتشتعل في داخلي رغبه عارمه لمواجهه اي قوه تظهر امامي، وان لم تظهر خلقتها بنفسي لاصارعها، انها تلك المرحله التي يتلهف فيها المرء لانجاز شيء كبير وان لم يكن انجازا عظيما فليكن علي الاقل فعلا يذكر. زياره دلهي في تلك الفتره زار محمد علي جناح مدينه دلهي، وخرج المسلمون لاستقباله في موكب مهيب، وكما هو متوقع شاركت فرقه غازي اباد في تنظيم هذا الموكب بحماس، كان قائد جماعتنا انذاك السيد انور قريشي شاب قوي البنيه، والذي اصبح لاحقا يعرف بلقب «شاعر باكستان»، وكان النشيد الوطني الذي نردده من تاليفه ولكنني لا اعلم ان كنا نغني بانسجام موسيقي، لكن ما خرج من حناجرنا لم يكن خاضعا لاي قواعد موسيقيه «النداء لا يعرف لحنا / كما النحيب لا يخضع لقيد الناي». انطلق هذا الموكب التاريخي من المسجد الجامع في دلهي مرورا بـ«تشاندني تشوك» و«لال كوان» و«حوض قاضي» و«تشاوري بازار» حتي وصوله الي مقر الرابطه الاسلاميه، وخلاله هتف الجميع بلقب القائد الاعظم لمحمد علي جناح، كانت عربته تجرها سته خيول وشارك في الموكب جميع اعضاء الرابطه البارزين وسط حشد من السيارات والدراجات الهوائيه والناريه والجمال لكن التنظيم كان مذهلا وقد بدا جناح المعروف بحبه للنظام سعيدا للغايه بذلك. رايت جناح مرات عده خلال الموكب، ولا اذكر رد فعلي عند رؤيته لاول مره، لكن حين اتذكر الان استنتج ان رد فعلي كان الصمت، لان الاخلاص لا لون له، ولو اشار احدهم اليه وقال «هذا هو قائدك» لتقبلته عاطفتي من دون تردد، لكن حين رايته مرارا شعرت بصدمه «قائدي نحيف الي هذا الحد».. يقول غالب مرزا: «لقد جاء الي بيتنا.. اي قدره الهيه جلبته / احيانا ننظر اليه وتاره الي بيتنا». لقد زارنا وكانت تلك نعمه من الله اقسم انني كنت انظر اليه والي جسده النحيل والي تلك العظام ثم انظر الي جسدي الممتلئ، واتمني لو انني انكمش او هو يتمدد، لكنني كنت ادعو له في سري ان يحفظه الله من كل سوء فقد كانت جراحه من اعدائه حديث الناس. في بومباي الايام تتغير ولا ندري ان كانت التغيرات تسمي «احداثا» ام ان الاحداث هي التي تسمي «تغيرات»، علي اي حال استيقظ في داخلي شغف الفن، وبدات افكر في الذهاب الي بومباي لاختبار حظي في هذا المجال، كنت مولعا بالمسرح منذ الطفوله وقلت لنفسي ربما اجد هناك فرصه لاظهر موهبتي، يا لها من مفارقه بين حب الوطن والتمثيل، فالانسان حقا مزيج من التناقضات. وصلت الي بومباي وكانت شركه امبريال فيلم في قمه عطائها، والدخول اليها كان صعبا، لكنني تمكنت من التسلل بطريقه ما، وعملت ممثلا ثانويا باجر زهيد، وانا احلم بان اصبح نجما ساطعا في سماء السينما، كنت كثير الكلام وان لم اكن فصيحا فلم اكن سيئا ايضا، وكانت اللغه الارديه لغتي الام مجهوله تماما لدي نجوم الشركه، مما جعلني مفيدا لهم اقرا لهم الرسائل واشرحها واكتب الردود، لكن هذا العمل لم يحقق لي اي تقدم بقيت في مكاني ممثلا مساعدا. في تلك الفتره نشات صداقه بيني وبين بدهن سائق السيد اردشير ايراني مالك الشركه، الذي علمني قياده السياره في اوقات الفراغ، لكن تلك الاوقات كانت قصيره، وبدهن، دائم القلق من ان يكتشف امره، لذلك ورغم ذكائي لم اتقن القياده تماما، لكنني تعلمت كيف اقود سياره بويك علي طريق مستقيم دون ان افهم شيئا عن اجزائها، ورغم انشغالي بالتمثيل كان قلبي لا يزال متعلقا بالرابطه الاسلاميه وبقائدها محمد علي جناح. بطل سينمائي في اماكن مثل «جسر كينيدي» و«سوق بندي» و«طريق محمد علي» و«بلاي هاوس»، كان المسلمون يتحدثون عن تعامل حزب المؤتمر معهم، الجميع في «امبريال» كانوا يعلمون انني مسلم ليغوي ومحب لجناح، لكن ذلك كان زمنا لم يكن فيه ذكر جناح يثير غضب الهندوس لان مطلب قيام باكستان لم يكن قد طفا علي السطح بعد، اظن ان العاملين في الشركه كانوا يظنون ان جناح مجرد بطل سينمائي اعجبني، ولهذا حين قدم لي الممثل الشهير دينشاو بيلي موريا صحيفه «تايمز اوف انديا» قال لي مازحا: «ها هو صاحبك جناح»، ظننت ان صوره له قد نشرت فاخذت الصحيفه من يد موريا، وقلبتها بحثا عنها لكنني لم اجد له اي صوره فسالته «اين هي صورته؟».. ابتسم موريا وظهر شاربه دقيقا جدا فوق شفتيه كانه الممثل «جون غيلبرت»، وقال: «ليست صوره.. انه اعلان»، سالته بدهشه «اعلان.. ما نوع الاعلان،» اشار الي عمود طويل في الصحيفه وقال: «السيد جناح بحاجه الي ميكانيكي سيارات ليتولي اداره مراب سياراته بالكامل» نظرت الي الموضع الذي اشار اليه وتظاهرت وكانني قرات الاعلان كله بنظره واحده رغم ان معرفتي بـ«الانكليزيه» لا تتجاوز معرفه موريا بـ«الارديه». كما ذكرت سابقا فان معرفتي بقياده السيارات لا تتعدي السير في طريق مستقيم، اما عن اليه عمل السياره فلا علم لي بها، لو سالني احدهم لماذا يعمل المحرك عند الضغط علي زر التشغيل لقلت «هكذا خلقت السياره»، واذا لم يعمل المحرك لقلت ايضا «هكذا خلقت السياره وهذا قانونها، لا دخل للعقل البشري فيه»، ورغم ذلك دونت عنوان منزل السيد جناح وقررت زيارته في صباح اليوم التالي، لم يكن هدفي الحصول علي الوظيفه بل فقط رؤيته عن قرب، حملت اخلاصي كوثيقه تعريف وتوجهت الي منزله الجميل في «مالابار هيل» علي طريق «مونت بلينرنت»، كان الحارس البشتوني واقفا بالخارج يرتدي سروالا ابيض من عده طبقات وعمامه حريريه علي راسه، بدا نظيفا ومهيبا وقوي البنيه، سررت لرؤيته وقارنت بين بنيته وبنيتي فشعرت براحه غريبه حين وجدت الفرق بيننا لا يتجاوز البوصه الواحده، كان هناك عدد من المتقدمين للوظيفه يحملون ملفات سير ذاتيتهم، انضممت اليهم رغم انني لم اكن املك حتي رخصه قياده بسيطه، وكان قلبي يخفق فقط لفكره انني ساري قائد الامه بعد لحظات. الاختيار وما ان كنت غارقا في افكاري حتي ظهر القائد الاعظم في رواق المنزل وقف الجميع بانتباه وانزويت جانبا، كانت معه شقيقته الطويله والنحيله التي رايت صورها في الصحف والمجلات، وكان سكرتيره المهذب «مطلوب» واقفا الي جانبهم، وضع جناح نظارته ذات العدسه الواحده علي عينه، ونظر الي المتقدمين بتمعن وعندما وقعت نظرته علي انكمشت اكثر ثم سمعته يقول بصوته الحاد بـ«الانكليزيه»: «يو» فهمت انه يقصد «انت»، لكن ظننت انه يخاطب من بجانبي فنبهته بمرفقي وقلت: «اجب، انه يناديك» رد زميلي بتردد: «انا؟» فقال جناح «لا..انت»، واشار الي باصبعه النحيله الصلبه فارتجف جسدي، وقلت: «انا؟»، فاجاب: «نعم»، كان ذلك كطلقه تخترق القلب والعقل، جف حلقي ولم استطع النطق، لكنه خفف عني حين نزع نظارته وقال: «حسنا»، ثم التفت الي سكرتيره الوسيم وقال له شيئا ودخل مع شقيقته الي المنزل، كنت علي وشك المغادره حين ناداني «مطلوب» وقال: السيد طلب حضورك غدا في العاشره صباحا، لم استطع سؤاله عن السبب ولم اشرح له انني غير مؤهل لهذه الوظيفه ثم عدت الي منزلي. وفي اليوم التالي جئت في الموعد المحدد وخرج السكرتير واخبرني بالخبر المفاجئ: «السيد اعجب بك وستتولي اداره المراب»، راودني شعور بان اشرح له الحقيقه انني جئت فقط بدافع الفضول وانني لا استحق هذه المسؤوليه، لكنني لم اتكلم فتم تعييني فورا وسلموني المفاتيح، كانت هناك اربع سيارات من انواع مختلفه، وانا لا اجيد سوي قياده سياره بويك علي طريق مستقيم، اما طريق مالابار هيل فكان مليئا بالمنعطفات، وكان علي ان اقود قائدا ترتبط حياته بمصير ملايين المسلمين، فكرت في الهروب ان اترك كل شيء واعود الي دلهي ثم قلت: لا، الافضل ان اشرح له كل شيء واطلب العفو، لكن صدقني لم اجد الفرصه لذلك طوال سته اشهر، سالته: كيف ذلك؟ فاجاب محمد حنیف ازاد في اليوم التالي طلب مني احضار السياره قررت ان اسلم المفاتيح واعتذر، لكن عندما خرج السيد جناح الي الرواق لم استطع النطق كانت معه السيده فاطمه، ولم يكن من اللائق ان انحني امامه في حضورها». قائد المراب رايت في عينيه تورد الخجل فابتسمت وسالته «ثم ماذا حدث؟» قال: «اضطررت الي تشغيل السياره كانت جديده من نوع بيكارد، بدات القياده بحذر لكن عند منعطف الاشاره الحمراء ضغطت علي الفرامل بطريقه خاطئه، فتوقفت السياره بعنف وسقط سيجار جناح من يده واندفعت السيده فاطمه الي الامام وبدات توبخني حتي شعرت وكان الدم جف في عروقي، رفع جناح سيجاره وقال شيئا بـ«الانكليزيه»، فهمت منه انه يريد العوده، نفذت الامر فطلب سياره جديده وسائقا اخر وغادر». ومنذ ذلك اليوم لم يتح لي خدمته لمده سته اشهر كامله، ابتسمت وسالته: «هل كانت هذه هي الخدمه التي قدمتها» ابتسم ازاد ايضا وقال: «نعم.. السيد لم يمنحني الفرصه لي فقط، كان هناك سائقون اخرون يرتدون زيهم الرسمي وكان السيد مطلوب يخبرهم مساء بمن سيقود اي سياره وفي اي وقت، واذا سالت عن دوري لم يكن لديه جواب شاف.. لاحقا ادركت ان ما يدور في قلب السيد لا يمكن لاحد ان يجزم به، ولا احد يجرؤ علي سؤاله عن اي امر، كان يتحدث فقط في ما يخصه ولا يسمع الا ما يهمه، ولهذا رغم قرب المسافه لم افهم لماذا اختارني قائدا للمراب ثم تركني كخرقه مهمله، قلت له: ربما نسيك تماما ضحك ازاد ضحكه ثقيله، وقال: «لا يا سيدي.. السيد لا ينسي حتي عن طريق الخطا، كان يعلم جيدا ان ازاد منذ سته اشهر ياكل من خبزه ورزقه في المراب، ويا سيدي منتو حين ياكل ازاد خبزه فهو ليس خبزا عاديا انظر الي بنيتي». نماذج مثلي نظرت اليه لا اعلم كيف كانت بنيته في عام 1938 لكن امامي كان يجلس رجل قوي البنيه تعرفه بلا شك كممثل، قبل التقسيم كان يعمل في افلام بومباي، اما الان في لاهور فهو يكافح مع اخوته الممثلين وسط تدهور صناعه السينما، علمت من احد الاصدقاء العام الماضي، ان هذا الممثل صاحب العيون الكبيره والجسد الرياضي كان في يوم من الايام سائقا خاصا لقائد الامه محمد علي جناح، ومنذ ذلك الحين كنت اراقبه كلما التقيته وافتح معه الحديث عن سيده واجمع من كلامه ما يغذي ذاكرتي، وعندما استمعت اليه مجددا بالامس لاجل كتابه هذا المقال لمحت جانبا مثيرا من حياه القائد، فقد تاثر ازاد كثيرا بحقيقه ان سيده كان يحب القوه كما كان العلامه اقبال يحب الاشياء ذات القامه العاليه، كذلك كان جناح يفضل كل ما هو قوي البنيه، ولهذا كان يختار موظفيه بناء علي الصحه الجسديه والقوه اولا. في تلك الفتره التي يتحدث عنها ازاد، كان سكرتير جناح مطلوب رجلا وسيما وكان جميع السائقين نماذج مثلي للقوه البدنيه، وكذلك الحراس عند بوابه المنزل، ويبدو ان السبب النفسي وراء ذلك هو ان جناح نفسه كان نحيفا وضعيف البنيه لكنه كان ذا طبيعه قويه وصلبه، ولهذا لم يكن يحب ان يرتبط باي شيء ضعيف او هزيل، والشيء الذي يحبه الانسان يهتم بتزيينه، ولهذا كان جناح يحرص علي اناقه موظفيه الاقوياء، وكان يامر الحارس البشتوني بارتداء زيه المحلي دائما، اما ازاد فلم يكن من البنجاب، لكنه كان يطلب منه احيانا ان يرتدي العمامه لانها تضيف الي القامه رونقا، وكان جناح يسعد بذلك ويمنحه مكافاه. القوه الدافعه اذا تاملنا فان شعوره بلغه الجسد كان هو القوه الدافعه لحياته المهيبه، في مشيته وجلوسه وطعامه وكلامه، كانت تلك القوه حاضره دائما، قال لي ازاد: «ان القائد الاعظم كان ياكل قليلا جدا، حتي انه كان يتعجب كيف يعيش بهذا القدر الضئيل من الطعام، كانه بهذه الحميه يذيب كل الشحوم غير الباديه اصلا، ومع ذلك كان يذبح في المطبخ اربع او خمس دجاجات يوميا ولم يكن نصيبه منها سوي مرق دجاجه واحده بالكاد تملا فنجانا صغيرا، وكانت الفاكهه تاتي بكميات كبيره بشكل يومي لكنها كانت تذهب الي بطون الموظفين، وبعد العشاء كان السيد يشير الي قائمه الطعام ويمنحني ورقه نقديه من فئه المئه روبيه لتغطيه نفقات اليوم التالي».. سالته: «كل يوم مئه روبيه؟»، قال: «نعم، كامله ولم يكن يطلب كشف حساب ابدا ما يتبقي كان يقسم بين الموظفين، احيانا ثلاثون واربعون واحيانا ستون او سبعون، وكان يعلم اننا نحتفظ ببعض المال لكنه لم يذكر ذلك قط، اما السيده فاطمه فكانت صارمه كثيرا ما تغضب وتقول اننا لصوص، نضع في الفواتير روبيه بدل انه، لكن سلوك السيد كان يجعلنا نشعر ان ماله هو مالنا، فكنا نسمع توبيخها ونطاطئ رؤوسنا، وكان السيد يقول لها كل شيء علي ما يرام، كل شيء علي ما يرام وينتهي الامر». لكن ذات مره لم تنته الامور بتلك العباره وطردت السيده فاطمه الطباخ بل طردت الاثنين، لان جناح كان يحتفظ بطباخين احدهما للطعام الهندي والاخر للطعام الغربي، وكان الطباخ الهندي غالبا بلا عمل الا في بعض المناسبات النادره، قال ازاد: عندما طردا لم يقل السيد شيئا فلم يكن يتدخل في شؤون شقيقته، وظل يتناول الطعام في فندق تاج لايام عده، وخلال تلك الفتره كنا نمرح كثيرا وناخذ السياره ونبحث عن طباخين جدد ونتجول لساعات ثم نعود دون ان نجد احدا، وفي النهايه اعادت السيده فاطمه الطباخين القدامي. الحياه المنزليه الشخص الذي ياكل قليلا اما انه يغار من الذي ياكل كثيرا واما يشعر بسعاده غامره، وكان جناح من النوع الثاني يحب ان يطعم الاخرين، ولهذا كان يعطي المئه روبيه دون ان يسال عن الحساب، لكن هذا لا يعني انه كان مسرفا، يروي ازاد حادثه طريفه: كان ذلك في عام 1939 كنا نتنزه في ورلي، اقود سيارته البيضاء ببطء والامواج تتلاطم بهدوء علي الشاطئ، والجو منعش، وكان مزاجه جيدا فاغتنمت الفرصه وذكرت له العيد، وكان واضحا ما اقصده، فهم السيد علي الفور، ورايت في المراه الخلفيه ابتسامه علي شفتيه، اخرج سيجاره وقال: «اوه..اوه..الان اصبحت مسلما فجاه.. كن هندوسيا قليلا». قبل اربعه ايام كان جناح قد اسلم ازاد واعني منحه مكافاه قدرها مئتا روبيه، ولهذا طلب منه ان يكون: «قليلا هندوسيا»، لكن ازاد لم يتاثر بذلك، في ذلك العيد جاء الي المنتج السينمائي سيد مرتضي جيلاني ليؤكد اسلامه واعني عيديته، وهناك التقيته وجمعت منه معلومات اضافيه لهذا المقال. الحياه المنزليه للقائد الاعظم تبقي لغزا مستورا وغالبا ما يقال انها ستظل كذلك، لكنني اري انها كانت متقاطعه تماما في حياته السياسيه حتي كادت ان تتماهي فيها، كانت له زوجه لكنها فارقته منذ زمن طويل، وكانت له ابنه لكنها تزوجت من شاب بارسي خلافا لرغبته، قال لي ازاد: لقد اصيب السيد بصدمه كبيره كان يتمني ان تتزوج من مسلم، ايا كان لونه او اصله لكنها كانت تقول: «اذا كان السيد قد اختار شريكه حياته بحريه فلماذا لا يمنحني نفس الحريه؟!». الصندوق الكبير اجاب ازاد بصوت خافت وكانه يستحضر لحظه مقدسه: لا شيء يخفي علي من يخدم في البيوت، احيانا كان يامر بفتح ذلك الصندوق الكبير المصنوع من الصفيح، صندوق بحجم سفينه مليء بالملابس القديمه، كانت تلك ثياب زوجته الراحله وثياب ابنته حين كانت طفله صغيره، كان ينظر اليها بصمت ثقيل ولا يتكلم فقط يتامل، وفي لحظه كانت ملامحه النحيله الشفافه تتغير وتتشابك علي وجهه خطوط الحزن كانها شبكه من الاسي، ثم يتمتم بصوته المالوف: كل شيء علي ما يرام... كل شيء علي ما يرام، وينزع المونوكل من عينه يمسحه بهدوء، ويغادر الغرفه دون ان يلتفت. كان ذلك الصندوق، كما فهمت من ازاد، اشبه بمراه للذاكره لا يفتح الا حين يفيض الحنين او يشتد الالم، ورغم ان القائد الاعظم كان قد استعاد صلابته الظاهره بعد خمسه عشر يوما من العزله، فان اثار تلك الصدمه لم تغادره ابدا، كان يمشي في الليل علي ارضيه ناعمه بخطوات محسوبه وصوت حذائه يرن كنبض الساعه يعلن استمرار الحياه رغم كل شيء، كان يحب حذاءه لانه كان امتدادا لقدميه يسير حيث يشير، ولا يعترض ولا يتردد.. ذلك الحزن لم يكن مجرد الم شخصي بل كان انعكاسا لخيبه امل بالتي احب بمن ظن انه سيكمل مسيرته كما اراد، لكن جناح، كما يقول ازاد، لم يكن من اولئك الذين ينهارون، كان من الذين يطوون الالم في اعماقهم ويواصلون السير، كما لو ان كل شيء علي ما يرام، وبحسب روايه ازاد كان للقائد الاعظم ثلاث اخوات فاطمه جناح ورحمت جناح والثالثه التي لم يتذكر اسمها وكانت تقيم في دونغري، ورحمت جناح كانت تسكن قرب «جوباتي كورنر» بجوار «تشناي موتر ورکس» وزوجها موظف بسيط ذو دخل محدود، كان السيد يعطي ازاد كل شهر ظرفا مغلقا يحتوي علي بعض الاوراق النقديه واحيانا يسلمه طردا صغيرا فيه ملابس او حاجيات اخري ليقوم بايصالها الي منزل رحمت جناح، وكانت فاطمه جناح وكذلك السيد نفسه يزورانها من حين لاخر، اما الاخت التي تقيم في «دونغري» فكانت متزوجه وميسوره الحال لا تحتاج الي دعم، وكان له اخ يساعده القائد الاعظم ماليا بانتظام لكنه لم يكن يسمح له بدخول المنزل. لقاء غاندي وجناح يروي ازاد: «رايت ذلك الاخ في بومباي في احدي الحانات الرخيصه المسماه «سيوائي بار»، كان يشبه القائد الاعظم الي حد كبير بالملامح نفسها، ونفس تسريحه الشعر الممشط الي الخلف وخصله الشعر البيضاء المتدليه، طلب نصف كاس من الرم واحتساها ببطء كانه يتذوق لحظه من مجد مفقود، ثم دفع الحساب الذي لم يتجاوز الروبيه، وكانه يدفع ثمنا باهظا، جلسته كانت توحي بانه يجلس في بار فندق تاج محل لا في حانه متواضعه». ويضيف: قبل اللقاء التاريخي بين غاندي وجناح، انعقد تجمع كبير للمسلمين في بومباي، اخبرني احد اصدقائي الذين حضروا ذلك الاجتماع ان القائد الاعظم كان يخطب علي المنصه باسلوبه المميز، وفي اقصي القاعه كان احمد علي شقيقه واقفا يضع المونوكل علي عينه ينظر اليه وكانه يمضغ كلماته بين اسنانه. كان في نبرته شيء من الحده لا تشبه الغضب بل تشبه الحزم الذي لا يقبل التردد، لم يكن يرفع صوته لكن كل كلمه منه كانت تصل كما لو انها امر لا يرد، لم يكن يتحدث كثيرا بل كان يختار كلماته كما يختار زاويه ضربته في البلياردو بدقه وبلا زياده، كانت تلك الغرفه الخاصه التي لا يدخلها الا القليل اشبه بغار للتفكير والعمل، لا طاوله فيها فقط اريكه واحده وتلك الطاوله الصغيره التي كان يضع عليها صحن سجائره، اما امام الاريكه خزانتان عرض فيهما نسخ من القران الكريم وهدايا من محبيه محفوظه بعنايه، وكانت اوراقه الخاصه مبعثره علي طرف الاريكه لا في ملفات بل كما لو انها تنتظر ان تقرا او تكتب. حسابات دقيقه حين يريد ان يملي خطابا او بيانا كان يستدعي مطلوب او الكاتب المحرر ويبدا بالاملاء، لا مقدمات ولا مجاملات فقط نص مباشر بلغه انكليزيه صارمه تنساب من فمه كما لو انها صيغت في ذهنه منذ زمن، كان يشعر من يسمعه ان كل كلمه محسوبه عليه وكل حرف موضوع في مكانه بدقه، كما لو انه يضرب كره البلياردو بعد تامل طويل. محمد حنیف ازاد الذي خدمه عن قرب كان يري في تلك اللحظات انعكاسا لطريقه جناح في السياسه، لا قرارات مرتجله ولا ردود فعل عاطفيه بل حسابات دقيقه وزوايا مدروسه وضربات لا تنفذ الا حين يكون النجاح مضمونا. كان اسلوبه في الاملاء حازما لا يعرف التردد او التلطف، لم يكن يرفع صوته لكن نبرته كانت مشحونه بصرامه داخليه، وكان كل كلمه تحمل وزنا اكبر من معناها الظاهري حتي الكلمات التي لا تستدعي تاكيدا، كان ينطقها وكانها اوامر لا تقبل النقاش ربما لم يكن ذلك بسبب مزاج اللغه الانكليزيه بل بسبب مزاجه هو، ذلك المزاج الذي تشكل من صراع داخلي بين جسد هش وروح لا تلين. ومن خلال روايات ازاد يتضح ان مظاهر الحده والجفاف في شخصيه القائد لم تكن الا انعكاسا غير واع لشعوره العميق بضعف جسده، كان يعيش في جسد كفقاعه علي سطح الماء، لكن داخله كانت دوامه هادره لا تهدا، بعض من عرفوه عن قرب قالوا انه عاش كل تلك السنوات بقوه ذلك الشعور وحده، شعور بان الجسد قد يخونه لكن العقل والاراده لن يسمحا له بالسقوط، كان جناح كما يصفه ازاد رجلا لا يهاب الصمت ولا يهرب من الوحده، لكنه كان يواجههما كما يواجه خصمه علي طاوله البلياردو بتركيز وتامل وبضربه محسوبه لا تنفذ الا حين يكون النصر مؤكدا. الانسان البسيط وفق روايه محمد حنیف ازاد، كان المرحوم بهادر يار جنغ، من اقرب اصدقاء القائد الاعظم، بل الوحيد الذي كان يحظي بعلاقه خاليه من الرسميات كلما نزل ضيفا عليه، كانا يتبادلان الحديث في الشؤون الوطنيه والسياسيه باسلوب ودي صرف، وكانهما رفيقا طفوله، في تلك اللحظات كان جناح يخلع عن نفسه عباءه الزعامه ويبدو انسانا بسيطا يضحك من القلب وتتعالي من مجلسهما قهقهات لا تعرف القيود. اما باقي كبار اعضاء الرابطه الاسلاميه مثل راجا محمود اباد، واي اي جندريغر، ومولانا زاهد حسین، ونواب زاده،ولیاقت علي خان، ونواب اسماعیل، وعلي امام، فكانوا يزورونه باستمرار لكن اللقاءات معهم كانت رسميه خاليه من تلك الالفه التي خص بها بهادر وحده، سالته: لا بد ان «لیاقت علي خان كان يزوره كثيرا؟»، اجاب ازاد: «نعم، وكان السيد يتعامل معه كما لو كان انجب تلامذته، وكان خان ينفذ اوامره بادب وتواضع بالغين، احيانا كان يسالني كيف مزاج السيد اليوم.. وكنت اجيبه حسب الحال، واذا ساء مزاجه كانت جدران المنزل كلها تشعر بذلك فورا». يروي ازاد: «ذات ليله عدت الي الكوخ بعد نزهه في الثانيه صباحا، ايام الصبا، ظننت ان السيد لن يعلم لكنه علم بطريقه ما، وفي اليوم التالي استدعاني وقال بـ«الانكليزيه» انت تفسد سلوكك، ثم اضاف بـ«الارديه» المكسره الان سنزوجك، وبالفعل بعد اربعه اشهر حين سافر الي دلهي لحضور مؤتمر تم زواجي بناء علي توجيهاته ولحسن حظي تم قبولي صهرا في بيت من بيوت الساده رغم انني من الشيوخ، قبلوني فقط لانني اعمل مع القائد الاعظم»، سالته فجاه: «هل سمعت منه يوما عباره: «انا اسف»، هز ازاد راسه القوي نافيا: لا.. ابدا.. ثم ابتسم وقال: «لو خرجت منه تلك العباره يوما لامر بحذفها من القاموس الي الابد»، وفي هذا التعليق العفوي تتجلي شخصيه جناح بكل صلابتها وفرادتها. الرحله الاخيره محمد حنیف ازاد لا يزال حيا في هذا الوطن الذي منحه اياه قائده الاعظم ويكافح اليوم تحت قياده تلميذه النجيب لياقت علي خان، ليبقي هذا الوطن حيا علي خريطه العالم، في احدي الزوايا المكشوفه من الشارع، يجلس ازاد علي سرير مكسور قرب دكان لبيع البان امام بوابه بنجاب ارت بكتشرز، ينتظر سيده، ويدعو ان ياتي يوم يدفع فيه راتبه في موعده، وها هو اليوم مستعد لتنفيذ وصيه جناح بان «يكون قليلا هندوسيا» ان اتيح له ذلك.. غارقا في الهموم لا يملك حتي ثمن البان، وحين حاولت ان ابعده عن همومه ببعض النكات تنهد وقال: سيدي قد رحل.. يا ليتني كنت معه في رحلته الاخيره، كانت لتكون في سيارته البيضاء المكشوفه ولكان المقود بين يدي، وكنت ساقوده بهدوء نحو مثواه الاخير، فجسده رقيق لا يحتمل الصدمات، سمعت، والله اعلم، ان الطائره حين وصلت الي مطار كراتشي تعطلت سياره الاسعاف التي كانت ستقل جثمانه الي دار الحكومه، توقفت بعد مسافه قصيره يا الهي، كم تالم سيدي في تلك اللحظه».. في عيني ازاد الكبيرتين كانت الدموع تتلالا لا كدموع رجل بل كدموع امه فقدت بوصلتها.
سعادت حسن منتو ترجمه عن «الارديه»: نوزاد جعدان هذا الكلام يعود الي عام 1937 حين كانت «الرابطه الاسلاميه» في مطلع شبابها، وكنت انا ايضا في اوج الشباب، تلك المرحله التي تتملك فيها الانسان رغبه جامحه لفعل شيء اي شيء كان، كن
الحدث: زيارة محمد علي جناح لدلهي وتقديم مُوظف لقيادة المراب، مع تفاصيل عن حياته الشخصية وعلاقته بالسيارات وعائلته