النفط والديون.. الاقتصاد العالمي أمام اختبار مزدوج

تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تايلند، وسط تداخل غير مسبوق في ضغوط الطاقة والديون والتضخم، مع اتساع تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران واضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، في وقت تزداد فيه حساسية الاقتصادات تجاه ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع القدرة على تمويل النمو. وتكشف هذه التطورات عن معادلة اقتصادية شديدة التعقيد؛ فارتفاع النفط قد يعزز الإيرادات الاسمية للدول المصدرة، لكنه يرفع في المقابل تكاليف النقل والإنتاج والأسمدة والتأمين البحري، ويزيد الضغوط التضخمية التي قد تدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية مشددة لفترة أطول، بما يرفع كلفة الاقتراض ويحد من شهية المستثمرين للمخاطرة. وتأتي هذه المخاطر في وقت يحذر فيه صندوق النقد الدولي من بلوغ الدين العام العالمي مستويات قياسية، مع توقع تجاوزه 100% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2030، وهو ما يضع الحكومات أمام تحدي الموازنة بين تمويل الإنفاق الضروري، والحفاظ على الاستقرار المالي، وتجنب إضعاف النشاط الاقتصادي. اختبار للأسواق ويتصدر مضيق هرمز المشهد باعتباره أحد أهم مفاتيح تسعير المخاطر في أسواق الطاقة؛ إذ إن تعطل حركة الشحن لا يقتصر تأثيره على الكميات المتاحة من النفط الخام، بل يمتد إلى المشتقات النفطية والغاز والأسمدة وتكاليف النقل والتأمين، ما يجعل انعكاساته أوسع من مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار البرميل. وفي هذا السياق، ارتفع خام برنت إلى 104.72 دولارات للبرميل لعقود ديسمبر، وفق البيانات الواردة، مدفوعاً بتصاعد الهجمات على السفن والمخاطر الجيوسياسية في الخليج ومضيق هرمز. ويعكس هذا المستوى استمرار تسعير السوق لاحتمالات نقص الإمدادات، وليس فقط التوازن التقليدي بين العرض والطلب. كما أن سحب كميات كبيرة من الاحتياطيات النفطية والتجارية لتخفيف الصدمة قد يوفر متنفساً مؤقتاً للأسواق، لكنه لا يشكل بديلاً مستداماً عن استعادة تدفقات الشحن بصورة طبيعية؛ فكلما تقلصت المخزونات المتاحة، ازدادت حساسية الأسعار لأي تعطل إضافي. وتتزايد أهمية هذه المعادلة بالنسبة إلى الاقتصادات الخليجية، التي تجمع بين الاستفادة المحتملة من ارتفاع أسعار التصدير والتعرض المباشر للمخاطر الأمنية واللوجستية، إلى جانب تأثر قطاعاتها غير النفطية بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتمويل. الديون والفائدة لا تتوقف تداعيات الأزمة عند قطاع الطاقة، إذ يثير ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة مخاوف من موجة تضخم جديدة، خصوصاً إذا تزامنت اضطرابات الإمدادات مع ظروف مناخية قاسية وتراجع إنتاج بعض المحاصيل الزراعية. وحذر رئيس البنك الدولي أجاي بانغا من تزامن هذه الضغوط، مشيراً إلى أن اجتماع ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة مع أعباء الدين والتحديات المناخية يفرض مزيداً من الحذر خلال الأشهر المقبلة. وفي المقابل، تتزايد صعوبة إدارة الدين العام في الاقتصادات التي تحتاج إلى إعادة تمويل التزاماتها بأسعار فائدة أعلى، بينما تستنزف مدفوعات الفائدة أكثر من 10% من الإيرادات في الدول النامية، وفق البيانات الواردة في المادة. وتعني هذه التطورات أن صدمة الطاقة قد تتحول إلى أزمة تمويل أوسع إذا استمرت الأسعار المرتفعة بالتزامن مع تشدد السياسة النقدية؛ فالحكومات ستواجه فاتورة اقتراض أعلى، والشركات ستتحمل تكاليف تشغيل وتمويل أكبر، فيما قد تتراجع القوة الشرائية للأسر، بما ينعكس على الاستهلاك والنمو. ومن هنا، تكتسب اجتماعات الصندوق والبنك الدوليين أهمية تتجاوز مراجعة توقعات النمو إلى بحث قدرة الاقتصادات على امتصاص صدمات متزامنة، في ظل محدودية الأدوات المالية لدى عدد من الدول وارتفاع احتياجاتها التمويلية.