الكتب المدرسية القديمة.. من عبءٍ مهمل إلى ثروة تعليمية مستدامة
مع نهاية كل عام دراسي، تتكرر أمامنا الصورة ذاتها: أكوام من الكتب المدرسية تتكدس في المنازل والمخازن المدرسية، بعضها لم يفقد قيمته العلمية، وبعضها الآخر يمكن أن يجد طريقه إلى طالب آخر أو إلى مشروع لإعادة التدوير. وبينما ننظر إلى هذه الكتب باعتبارها جزءاً من عام دراسي انتهى، فإن السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه هو: هل انتهت قيمة الكتاب بانتهاء العام الدراسي؟ الحقيقة أن الكتاب المدرسي ليس مجرد أوراق تُسلّم للطالب في بداية العام ثم ينتهي دورها مع آخر يوم دراسي، بل هو مورد تعليمي ومالي وبيئي يمكن الاستفادة منه بطرق متعددة. ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة تعاملنا مع الكتب المدرسية القديمة، بحيث ننتقل من ثقافة التخلص منها، إلى ثقافة إعادة الاستخدام، والاستفادة والاستدامة نعم، فولي الأمر.. شريك أساسي في حماية الكتاب يبدأ الحل من المنزل. فولي الأمر يستطيع أن يؤدي دوراً مهماً في المحافظة على الكتب المدرسية، من خلال تعليم أبنائه التعامل معها بعناية وعدم تمزيقها أو إتلافها، خصوصاً الكتب التي يمكن أن يستفيد منها طالب آخر. فالكتاب الذي انتهى منه الابن الأكبر قد يكون مرجعاً مفيداً لأخيه الأصغر، كما يمكن للأسر تبادل الكتب الصالحة للاستخدام، أو التبرع بها للمدارس والمبادرات المجتمعية التي تعيد توزيعها على المستفيدين منها .. وهنا لا نتحدث فقط عن توفير المال، بل عن تربية جيل يدرك قيمة النعمة ويحترم العلم ويحافظ على الموارد. فالطالب الذي يتعلم المحافظة على كتابه، يتعلم في الوقت ذاته معنى المسؤولية وعدم الإسراف كذلك المدرسة من التخزين إلى الإدارة الذكية للكتب … أما الإدارة المدرسية، فهي تمتلك القدرة الأكبر على تحويل هذه الفكرة إلى مشروع مؤسسي مستدام. فبدلاً من ترك الكتب القديمة في المخازن أو التخلص منها في نهاية العام الدراسي، يمكن إنشاء آلية واضحة لجمعها وفرزها وتصنيفها على سبيل المثال تقسيم الكتب إلى ثلاث فئات: كتب صالحة لإعادة الاستخدام، وكتب يمكن الاستفادة منها كمراجع أو في الأنشطة التعليمية، وكتب غير صالحة يمكن توجيهها إلى برامج إعادة تدوير الورق. عن طريق إنشاء «ركن الكتاب المستعمل» أو مكتبة خاصة بالكتب الدراسية السابقة، بحيث يستفيد منها الطلبة في المراجعة ولا يتطلب الأمر بالضرورة ميزانيات ضخمة؛ فالفكرة في أساسها تعتمد على حسن التنظيم، والتعاون بين الإدارة والمعلمين والطلبة وأولياء الأمور فلابد من اعطاء هذه المبادرة اسماً بسيطاً وذا دلالة مثل «كتابك القديم.. علم جديد»، بحيث يدعو الطلبة وأولياء الأمور إلى تسليم الكتب التي لم يعودوا بحاجة إليها، ثم تقوم المدرسة بفرزها وإعادة توزيع الصالح منها. وقد تتحول مثل هذه المبادرات إلى منافسة إيجابية بين المدارس، بحيث يتم تكريم المدرسة أو الطلبة الأكثر مشاركة في المحافظة على الكتب وإعادة استخدامها... في النهاية، القضية ليست قضية كتب قديمة فحسب، بل قضية ثقافة وسلوك. إن تحويل الكتب المدرسية القديمة من عبء متراكم إلى ثروة تعليمية مستدامة يحتاج إلى قرار بسيط يبدأ من كل بيت ومدرسة، لكنه يحمل في أثره رسالة كبيرة: أن التعليم لا يعلّمنا المعرفة فقط، بل يعلّمنا كيف نحافظ على ما بين أيدينا، وكيف نترك للأجيال القادمة عالماً أفضل.