الثابت والمتحول
«الثابت الوحيد في الحياة هو التغيير».. الفيلسوف هيراقليطس الثابت والمتحول قاعدة من قواعد الفلسفة والحياة، تفسر لنا طريقة نظرتك للأشياء، فلو أخذناها في نمط الشخصية، فأي الفريقين تميل؟، وأي الحزبين تكون أنت؟ فمن انماط الشخصيات، هناك من يؤمن بالتغيير والتطوير، وهناك الثابت الذي ألف القديم ولا يريد التجديد، ويردد بين خلجات نفسه: «قديمك نديمك»، وفي الأحزاب السياسية هناك اليمين واليسار، فاليمين المحافظ، واليسار المتغير. وفي العمل هناك من يؤمن بالتطوير وتغيير بيئة العمل وجلب كل جديد، وتغيير قواعده، وهناك من حزب «الله لا يغير علينا» ويدعي ان التغيير قد يؤثر ويخبط ما اعتدنا عليه... حتى في الأدب هناك كتاب شهير اسمه «الثابت والمتحول» للشاعر أدونيس الذي بحث فيه عن «الابداع والإتباع عند شعراء العرب» بين من يألف القديم، ومن يسارع في التجديد.. في الدين كذلك هناك المتشدد والمتساهل، وفي الاقتصاد، في التسوق وفي كل مناحي الحياة هناك الثابت والمتحول..إلخ فإذا كان الفكر الثاقب للفلاسفة أنهم استطاعوا أن يسبروا غور وعمق الأشياء حيث إن قانون الطبيعة يسير وفق قانونين هما «التغيير والتكيف»، فهل كل تغيير وتبديل صحيح؟! وهل كل ثابت هو تخلف وضياع عن جادة الطريق؟!! ما أراه أن الحق بين بين، فنحن أمة الوسط «وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً» وآية ذلك أنه حتى أرسطو طاليس جعل الأخلاق، وسطاً بين رذيلتين «فالشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين الاسراف والتقتير» «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا»، فهو وسط بين ثابت ومتحول، فالحق لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فالحق دائم وسط بين طرفين، فهناك أشياء تحتاج إلى تطوير وهناك أشياء ثابت لا تغير. يقول سيدنا علي عليه السلام: «اَلْيَمِينُ وَ اَلشِّمَالُ مَضَلَّةٌ وَ اَلطَّرِيقُ اَلْوُسْطَى هِيَ اَلْجَادَّةُ عَلَيْهَا بَاقِي اَلْكِتَابِ وَآثَارُ اَلنُّبُوَّةِ وَمِنْهَا مَنْفَذُ اَلسُّنَّةِ وَإِلَيْهَا مَصِيرُ اَلْعَاقِبَةِ». ويقول الشاعر: ولا تغْلُ في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم لذلك عبَّر عن هذه القاعدة ابن القيم بتعبير رائقٍ حيث يقول: «فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين..». لذلك جاءت آية الفاتحة التي تقرأ وتردد كل يوم، للفت الانتباه للصراط المستقيم، والثبات بين المتغيرين، الثابت والمتحول، بين اليمين والشمال في كل مناحي حياتنا وطرائق أحوالنا {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}. وفي تنمية الذات هناك كتاب ماتع اسمه «البديل الثالث» لي ستيفن كوفي، فالحياة ليست ابيض واسود، بل هناك حلول وسطى، وبدائل وطرائق قدد، والحياة ليست في اختيارين فقط، بل اختيارات متعددة. وهذا هو التوازن بين الروح والجسد، بين الدنيا والآخرة، بين الدين والدولة، بين الذات والموضوع، بين الفكر والواقع وبين المادية والمثالية، بين المقاصد والوسائل، وبين العقل والنقل وفق القاعدة الذهبية: «لا إفراط ولا تفريط»، فلا ثبات دلالة على الصواب ولا التحول دلالة على الابداع.. ثبات في أشياء، وتغيير في اشياء آخر، وفي كل خير. فما أحوجنا لاتخاذ الوسط نبراسا وطريقا مستقيما في مناحي حياتنا.