الاستعمار وسنينه!
أفهم تماماً أن يختلف البشر في الآراء ولكن لا أفهم على الإطلاق أن يختلف أحد على الحقائق والمسلمات الأقرب لرؤية الشمس في رابعة النهار، كما أفهم أن تدعي أمم وشعوب كحال أميركا وكوريا واليابان وسنغافوره أن أحوالهم في حقبة ما بعد الاستعمار أفضل حالاً من عهد الاستعمار ويدللون على ذلك بالحقائق المالية والأرقام التي لا تكذب... *** أما أحوال أغلب دولنا العربية فالحقائق التي لا تكذب تظهر أن عهد الاستعمار كان أفضل كثيراً مما أتى بعده دون أن يعني هذا طلب إعادة الاستعمار الذي كان خارجاً من دولنا بإرادته دون الحاجة لهليلة محاربة الاستعمار التي أوصلت لنا كل الطغاة الإباديين، فعهد الاستعمار هو الذي وحَّد كثيراً من دولنا العربية بل وأضاف لها ملايين الكيلومترات ممن لم نستطع الحفاظ عليه لاحقاً، كما أدخل لها الإدارة الحكومية الحديثة والمدارس والجامعات والطرق والسكك الحديد واكتشف النفط والآثار والأسواق حتى أصبح بعض دولنا هدف وحلم الأوروبيين وغيرهم من أمم الأرض بالعمل والعيش على أرضها بعد أن نهض الاستعمار بتلك الدول سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ومن ينكر ذلك يحتاج الى إزالة غطاء الحزبية البغيضة والجهل بالتاريخ من على بصره وبصيرته، ومعروف أن الاستعمار قد انتهى في شقه النظري مع إنشاء الأمم المتحدة لجنة تصفية الاستعمار عام 61 التي انضمت لها بريطانيا العظمى والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وهو للعلم أكبر مستعمر بالتاريخ وكان ضمن زيف اليسار العربي والناصري أن يدعي السوفييت محاربة الاستعمار! *** وكان حزب العمال البريطاني برئاسة كليمنت آتلي قد اجتاح الانتخابات البريطانية صيف عام 1945 وهزم السير وينسون تشرشل بطل بريطانيا في الحرب العالمية الثانية وأعلن نهاية عهد الاستعمار البريطاني وتم منح الهند جوهرة التاج البريطاني استقلالها دون حرب أو ضرب ولم تعد هناك حاجة لاستعمار أربع دول عربية هي العراق وفلسطين ومصر واليمن الجنوبي وكان التواجد العسكري البريطاني فيها لحماية الطريق للهند، وكانت أسباب انتهاء عهد الاستعمار عدة منها الزيادات الديموغرافية الضخمة للمستعمرات قد تسببت بهجرة معاكسة من المستعمرات لبريطانيا وصرف لندن المالي على المستعمرات وليس العكس وكان اتساع المستعمرات كاد أن يتسبب بخسارة بريطانيا للحربين الأولى والثانية لولا دخول أميركا الحرب، كما أن الشعوب المستعمرة أصبحت هي من تدافع عن بريطانيا وليس العكس وهو أمر لا يصح أدبياً وأخلاقيا، ومن الناحية الاقتصادية أثبتت أرقام مستوى المعيشة في بريطانيا أعوام 47، 77، 2007 أنها ارتفعت كثيراً بكل المؤشرات بعد ترك المستعمرات عما قبله بينما شهدت المستعمرات انخفاضاً حاداً في مستوى المعيشة بعد الاستقلال ما يعطي دلالة أو انطباعاً أن بريطانيا من كان يصرف على مستعمراتها لا العكس. *** آخر محطة: 1- قد يقبل أن يكون في الأمر لبس واختلاف لولا أن طفل الروضة الصغير لا دكتور الجامعة الكبير يرى بالعين المجردة ما آلت اليه الحال في كثير من الدول العربية بعد رحيل الاستعمار، حيث فقدنا على سبيل المثال جنوب السودان الذي تبلغ مساحته 650 ألف كم2 المليء بالنفط والمياه والمعادن وتفوق مساحته كل بواكي العرب من الأندلس حتى فلسطين، والغريب أن المؤدلجين الذي أبكونا على مغامرة حماس المدمرة في غزة التي تبلغ مساحتها 350 كم2 لم يذكروا لنا أن فرع حماس في السودان برئاسة البشير قد فرط بحروبه وحملاته العسكرية وقبوله بالاستفتاء بأرض تزيد مساحتها ألفي مرة مساحة غزة وكان يمكن الاحتفاظ بالجنوب لو رشح قبل الاستفتاء جنوبي لرئاسة السودان كي يمنح الجنوبيين الاطمئنان بدلاً من ترشيح البشير، وقال لنا من التقيناهم من القادة الجنوبيين في الخرطوم كيف للجنوبيين أن يصوتوا لبقاء الوحدة تحت حكم من لم نرَ منه إلا الحرب والقتل والإبادة العنصرية والدينية؟! 2- وحال السودان لا يختلف عن أحوال كثير من دولنا العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار، فليبيا الموحدة أصبحت ليبيا طرابلس وليبيا بنغازي، ويمن صنعاء ويمن عدن وعراق بغداد وعراق أربيل وسورية دمشق وسورية السويداء وفلسطين الضفة وفلسطين غزة وسودان الخرطوم وسودان دارفور ولبنان بيروت ولبنان الجنوب، والبقية قادمة على الطريق ما دمنا نصدق روايات الكذبة ومزوري التاريخ بأن أحوالنا في عهد من سوقوا لهم من قيادات قمعية مدمرة وتمارس الزحف للخلف في الحروب وتنتظر الأعداء من الشرق ليأتوها من الغرب دون الخجل من الاعتراف بما يثبت محدودية قدراتها وإمكاناتها هي أفضل من عهود بلدانهم في عهود الاستعمار وتلك كذبة فجة من يصدقها فعليه أن يفحص عقله أو جيبه!