استراتيجية المسافات الآمنة للدول الصغيرة
لم تعد الدول الصغيرة تتحرك في بيئة دولية تسمح لها بالاطمئنان إلى ثبات التحالفات أو وضوح الخصومات أو استمرار الضمانات كما عرفتها لعقود، فالعالم يدخل مرحلة أكثر سيولة، تتداخل فيها المصالح مع التهديدات، ويتعاون الخصوم في ملف بينما يتنافس الحلفاء في آخر، وتتراجع الحدود بين الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والمعلومات والقوة العسكرية. وسط هذا التسارع لم يعد السؤال: مع من نقف؟ بل أصبح: كيف نقف، وأين نقف، وما المسافة التي ينبغي المحافظة عليها من كل طرف حتى نستفيد من العلاقة من دون أن نفقد حرية القرار؟ يتضح ذلك في المشهد الإقليمي الراهن، حيث لا يعني تراجع بعض أدوار الولايات المتحدة اختفاءها من المنطقة بقدر ما يشير إلى إعادة توزيع للوظائف والأعباء، فتبقى القوى الكبرى ضمن محرك رأسي فوق إقليمي يؤثر من خلال القوة العسكرية والاستخبارات والمال والتكنولوجيا والأسواق والعقوبات والتحالفات، بينما تتحرك القوى الإقليمية الكبرى ضمن محرك أفقي لإعادة التموضع وبناء الشراكات وترتيب توازنات القوة، في هذا المشهد تسعى إيران إلى الانتقال من موقع الدولة التي يجري احتواؤها داخل نظام يصنعه الآخرون إلى قوة مشاركة في تشكيل الترتيبات الأمنية المقبلة، فيما تعيد قوى إقليمية أخرى بناء شراكاتها، وتتوسع أدوار الصين وروسيا وأوروبا، لذلك لا ينشأ فراغ بسيط ينتظر من يملؤه، بل فضاء متعدد الطبقات تتقاطع داخله القوى الدولية والإقليمية وتتنافس على النفوذ والقواعد والممكنات، تقع الدولة الصغيرة عند نقطة التقاء المحركين، والخطأ في قراءة أحدهما قد يدفعها إلى موقع لم تختره أو مواجهة لم تقرر الدخول فيها. هنا تظهر الحاجة إلى «استراتيجية المسافات الآمنة»، المقصود ليس الوقوف على مسافة متساوية من الجميع، ولا الحياد أو إمساك العصا من المنتصف، وإنما إيجاد هامش يسمح للدولة بالتعاون مع الآخرين من دون الارتهان لهم، والاستفادة من الممكنات الخارجية من دون تحولها إلى اعتماد حرج، والدخول في الشراكات من دون تسليم القرار السيادي للشريك. قد تكون الدولة قريبة أمنياً من قوة، واقتصادياً من أخرى، وتكنولوجياً من ثالثة، ومتحاورة مع خصم ومتعاونة مع جار، من دون تناقض ما دامت المصلحة الوطنية هي التي تحدد المسافة في كل مجال. لهذه المسافة ثلاثة حدود تتحرك داخل الوسط الرمادي وتحتاج إلى إدارة مستمرة، أولاً مسافة التعاون التي تتيح المعرفة والأسواق والاستثمارات والتكنولوجيا والأمن والممكنات، وثانياً مسافة التحوط التي تمنع تحول التعاون إلى اعتماد حرج، وأخيراً مسافة المنع التي تبدأ عندما يحاول طرف خارجي الوصول إلى القرار السيادي أو اختراق المؤسسات أو استخدام الاقتصاد أو المجتمع أو البنية التحتية والفضاء المعلوماتي للضغط، داخل هذا الوسط تختلط المصالح بالضغوط، والتعاون بالمنافسة، والشراكة بمحاولات التأثير، لذلك لا يكمن النجاح في الاقتراب أو الابتعاد الدائم، بل في معرفة متى نقترب، ومتى نتحوط، ومتى نقول، هنا تتوقف العلاقة وتبدأ السيادة. تزداد أهمية هذه الحدود عندما ينتقل الصراع نفسه إلى الوسط الرمادي، حيث قد تعبر الضغوط عبر وسيط أو شركة أو بنك أو سفينة أو شبكة مالية وتكنولوجية تبدو في ظاهرها تجارية ومشروعة، تكشف عملية «المنبوذ الاقتصادي» الأميركية ضد إيران عن اتساع هذا المجال، فالعقوبات لا تستهدف إيران وحدها، وإنما تمتد إلى أطراف ثالثة التي تسهّل وصولها إلى المال والأسواق والتكنولوجيا والشحن، بما قد يحول الوسيط نفسه إلى هدف للعقوبات الثانوية، هنا تواجه الدولة الصغيرة خطراً مزدوجاً، أن تصبح من دون قصد مانحاً لطرف مستهدف، أو أن تتحول مؤسساتها وأسواقها إلى مسار تعويضي بعد إغلاق مسارات أخرى، لذلك تصبح إدارة المسافة الآمنة قدرة على كشف الوسيط وفهم الوظيفة التي يؤديها واستجلاء ما قد يختبئ خلفه من تحايل أو خبث قبل انتقال آثار الصراع إلى داخل الدولة، فحين يُغلق طريق قد يظهر آخر، وحين تتغير الأداة قد تبقى الوظيفة. لا تستطيع الدولة الصغيرة توقع كل المفاجآت، لكنها تستطيع بناء مناعة تقلل آثارها، فالرؤية المبكرة تمنح الزمن، والقدرة تمنح الصمود، والبدائل تمنح الخيارات، والخيارات تحمي حرية القرار. تقدم التجربة الكويتية مثالاً تاريخياً على خطورة الخلط بين السلام والاسترضاء، إن الرغبة الصادقة في تجنب الصراع، والإفراط في الثقة وحسن النية، لا يوفران الحماية للدولة الصغيرة إذا لم يصاحبهما تقدير مستمر للمخاطر واستعداد عند تغير النوايا، لم تكن المشكلة في أن الكويت أرادت السلام، فالسلام غاية الدولة وقيمة عليا، وإنما في أن السلام قد يُفهم خطأً باعتباره سبباً لتأجيل معالجة المشكلات أو تجاوز الإشارات المقلقة، إن درس الثاني من أغسطس 1990 يرسخ أن السلام لا يعني الاستسلام، ولا تحمي الدولة الصغيرة استقلالها بحسن النية وحده، بل باليقظة والقدرة والتحوط وبدائل النفوذ. لا يعني ذلك الانفراد أو الابتعاد عن الترتيبات الإقليمية، فالدول الصغيرة تحتاج إلى الأمن الجماعي أكثر من القوى الكبرى، لكن من مصلحتها أن يقوم على قواعد لا على هيمنة طرف واحد، فعدم الاعتداء، وحماية الملاحة والطاقة والمياه والبنية المدنية، وعدم استخدام أراضي دولة ضد أخرى، ومنع الوكلاء من تجاوز الحدود، واحترام السيادة، وآليات الإنذار والاتصال وإدارة الأزمات، يمكن أن تنتج مجالاً أمنياً أكثر استقراراً من سباق بناء المحاور المضادة. تحتاج هندسة المسافات الآمنة أمام هذا التعقيد إلى كفاءة مؤسسية ومرونة وتكيف، لأن القرار الاقتصادي قد يحمل أثراً أمنياً، والقرار التجاري قد ينتج أثراً سياسياً، والاستثمار التكنولوجي قد ينشئ اعتماداً استراتيجياً، المطلوب عقل تكاملي للدولة يربط السياسة الخارجية بالدفاع والاقتصاد والمال والطاقة والتكنولوجيا والمجتمع والبنية التحتية، ويضع أمام القيادة صورة متكاملة للمخاطر والفرص والخيارات والبدائل، حتى تبقى المصلحة الوطنية مركز هذه المنظومة، فلا صداقة تبرر الارتهان، ولا خصومة تمنع الحوار، ولا تحالف يلغي القدرة الذاتية، ولا استقلال يعني الاستغناء عن الآخرين. العالم يعيد ترتيب مسافاته، والتحالفات تعيد تعريف وظائفها، والقوى الكبرى والإقليمية تعيد حساب مواقعها وتموضعها، الدول الصغيرة لا تملك إيقاف هذه الحركة، لكنها تستطيع منع الآخرين من تحديد مكانها داخلها، هنا تكمن فلسفة المسافات الآمنة، أن تكون الدولة قريبة بما يكفي للتعاون، بعيدة بما يكفي لعدم الارتهان، قادرة بما يكفي لرفض الإكراه، وواعية بما يكفي لمعرفة متى تتغير المسافة. فالسلام غايتها، والعلم درعها، والوعي يضبط مسافاتها.