ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharعربيات ودوليات بقلم أ. د. عماد عواد

واشنطن ولعبتا «البوكر» و«الشطرنج»

في تطور لافت وصف الرئيس دونالد ترامب المفاوضات مع إيران بالهادئة، موضحاً أن بلاده ستتفاوض معها بشكل جزئي، وواصفاً الوضع بأنه أشبه بلعبة «شطرنج». وبطبيعة الحال فإن هذا الطرح يمثل نقلة نوعية، ولكن ربما مؤقتة، في طريقة تعاطيه مع طهران منذ ما يزيد عن عام، الأمر الذي يتطلب إلقاء الضوء على النقاط التالية: أولاً: تقوم لعبة «البوكر»، أو ما يمكن تسميته بــ «حافة الهاوية»، على أساليب المناورة والخداع ورفع سقف الرهان وخلق حالة من الغموض تجعل الخصم في وضعية الحيرة وعدم التوازن، وقد لجأت الإدارة الأميركية الحالية إلى جميع هذه الأساليب خلال تعاملها مع طهران، سواء قبل المفاوضات معها أو بعدها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك عملية «مطرقة منتصف الليل»، في يونيو 2025، التي جرت في وقت كانت تجري فيه مفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران برعاية عُمانية، وكذلك عملية «الغضب الملحمي»، في نهاية فبراير 2026، التي انطلقت في وقت كان الحديث يدور فيه عن تقدم في المفاوضات غير المباشرة بين وفدين أميركي وإيراني برعاية سلطنة عُمان في جنيف. وأخيراً، أطلق الرئيس الأميركي، في السابع من أبريل 2026، تهديداً مدوياً بأن «حضارة بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدًا»، وهدد، مطلع أغسطس الحالي، بـ «ضرب إيران حتى يقولوا لم نعد نحتمل»، وهو ما تراجع عنه في السادس من الشهر ذاته بقوله إنه كان على وشك تنفيذ «أكبر هجوم على إيران منذ الحرب العالمية الثانية». ثانياً: يمكن رصد الانتقال التدريجي للرئيس الأميركي إلى أساليب «لعبة الشطرنج» بعد تراجعه عن شن الضربة التي هدد بها طهران والتي كانت متوقعة في الخامس والسادس من الشهر الحالي، فمنذ ذلك الحين خفت حدة التصريحات التي أشارت إلى محادثات مع الإيرانيين، بالرغم من إنكار طهران لذلك، وتم الإعلان عن ترقب نتائج المحادثات العُمانية- الإيرانية حول آلية الملاحة في مضيق هرمز، وأخيراً، تجنبت التصريحات مقولة أن الإيرانيين «يتوسلون» للتحدث مع أميركا. ثالثاً: تضافرت مجموعة من العوامل لبلورة هذا التغيير في أسلوب تعامل الرئيس ترامب مع الملف الإيراني، ومن بينها ما تواتر من معلومات حول وجود استنزاف حاد في مخزون الأسلحة الاستراتيجية الأميركية نتيجة كثافة الاستخدام في الحرب ضد إيران، وهو ما دفع الجيش الأميركي إلى اتخاذ العديد من الإجراءات من بينها التعاقد مع شركة لوكهيد مارتن، في أبريل 2026، على انتاج صواريخ باتريوت بقيمة 4.7 مليارات دولار، وتم تعديل قيمة العقد، بنهاية شهر يوليو 2026، لتصبح 58.62 مليار دولار. وعلى الصعيد الداخلي أظهرت استطلاعات الرأي الانخفاض المطرد في شعبية الرئيس ترامب إلى أدنى المستويات مع تزايد استياء الأميركيين من طريقة تعامله مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتبعات الحرب، كما انخفض الاحتياطي الاستراتيجي من النفط إلى أدني مستوياته نتيجة اللجوء إليه لتعويض النقص من المعروض في الأسواق العالمية. رابعاً: تمثل أول تحرك للرئيس الأميركي في إطار لعبة «الشطرنج» في تجنبه التعليق المباشر والصاخب على الشروط المُبالغ فيها، والتي أعلنها الحرس الثوري الإيراني، في العاشر من الشهر الحالي، لفتح مضيق هرمز والتي لم تقتصر فقط على رفع الحصار البحري، بل امتدت لتشمل الكثير من النقاط الحساسة التي كان من المُفترض أن تكون محل تفاوض بين واشنطن وطهران وفقاً لمذكرة التفاهم الموقعة بينهما. وتعلق الرد الوحيد الذي تم رصده من قبل الرئيس ترامب، بالشرط الخاص بتقديم تعويضات لإيران عن خسائر الحرب، حيث صرح بأنه أصدر تعليماته لممثلية بالمطالبة، خلال المفاوضات المقبلة، بتعويضات من إيران لعائلات ضحايا المدمرة الأميركية «كول» إضافة إلى آلاف آخرين قال إنهم قتلوا في صراعات مرتبطة بإيران على مدى العقود الخمسة الماضية، إلى جانب تعويضات عما قدمه على أنه مقتل 52 ألف شخص خلال الأشهر الخمسة الأخيرة. وبطبيعة الحال فإن الأمر يتعلق بتحرك مضاد لتحرك إيراني سابق في انتظار تحركات لاحقة. وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري قائما: هل من الممكن أن يستمر الرئيس ترامب في تجنب أسلوب «البوكر» الصاخب ويواصل اتباع خطوات لعبة «الشطرنج» الهادئة؟ وعلى الرغم من صعوبة تقديم إجابة مباشرة على هذا السؤال إلا أنه يمكن طرح عنصرين أساسيين، يتمثل أولهما في معرفة مدي قدرته وفريقه التفاوضي، الذي يشاركه أفكاره وتوجهاته وأسلوب تعامله مع الملفات على أنها تتعلق بالأعمال والتجارة، على الاستمرار في أسلوب لعبة «الشطرنج» أمام مفاوض إيراني مُتمرس في المفاوضات السياسية ويمتلك المهارات اللازمة لذلك. حيث تمكنت طهران من دفع واشنطن إلى الموافقة في مذكرة التفاهم، الموقعة مع واشنطن في يونيو 2026، على الربط بين الحصار البحري وفتح مضيق هرمز وهو ما سبق لها وأن رفضته قبل ذلك بشهر واحد. أما العنصر الثاني فيكمن في مدي قدرة الطرف الإيراني على تحمل سياسة الضغوط الاقتصادية القصوى، وكسب الوقت في التعامل مع الملف النووي حينما يأتي الوقت للتفاوض حوله. وفي هذا الخصوص تجدر الإشارة إلى التقارير التي تتحدث عن تبني طهران لاستراتيجية تهدف إلى إطالة أمد المواجهة السياسية والدبلوماسية مع واشنطن حتى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل، بما يعنيه ذلك من التأثير على نتائجها. أما إذا عاد الرئيس ترامب إلى اتباع أساليب لعبة «البوكر» فإنه سيخدم، من هذا المنظور، استراتيجية طهران، والتي من المرجح أن تقدم حينئذ على معاودة غلق مضيق هرمز أمام الملاحة ما يزيد من حجم الضغوط الداخلية على الحزب الجمهوري في تلك الانتخابات.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓