الشطرنج الوجه الآخر للحياة
قال لي أحدهم ذات مرة إنه يتعامل مع الناس كما يتعامل لاعب الشطرنج مع قطعه. ولأن لي عليه ملاحظات كثيرة كشخص لا يثير إعجابي بل استغرابي.. ظننت في البداية أن حديثه مجرد نوع من التفاخر الساذج.. وأنه يحاول أن يبدو أكثر ذكاءً مما هو عليه. لكن.. وكعادتي.. لا أتوقف عند الانطباع الأول.. فقد أثار فضولي وأنا ممن اعتادوا أن يأخذوا ما ينفعهم ويتركوا ما سواه.. فبدأت أبحث لا عن الرجل بل عن الفكرة نفسها. بحثت في أصل لعبة الشطرنج وفي فلسفتها وفي القواعد التي تحكمها.. ثم وجدت نفسي أقارنها بما يحدث في حياتنا كل يوم.. ووجدت أن التشابه بينهما أعمق بكثير مما كنت أتصور. ففي الشطرنج كما في الحياة.. لا تبدأ جميع القطع بالقيمة نفسها ولا بالحركة نفسها ولا بالدور نفسه.. لكل قطعة حدودها ونقاط قوتها ونقاط ضعفها ولكل منها توقيت تصبح فيه مؤثرة وآخر تصبح فيه مجرد عبء. والأهم من ذلك كله أن المباراة لا يحسمها امتلاك أقوى القطع بل يحسمها حسن إدارتها. ولعل أول ما استوقفني أن الملك وهو أهم قطعة في الرقعة يتحرك خطوة واحدة فقط ومع ذلك تدور الحرب كلها من أجله. عندها أيقنت أن القيمة لا تُقاس بما تستطيع فعله بل بما تمثله. فكم من إنسان يملك من الأثر ما يجعل سقوطه انهيارا لكل من حوله. أما الملكة فهي صاحبة النفوذ الحقيقي تتحرك في كل الاتجاهات تصل حيث يعجز غيرها وتحسم كثيرا من المعارك. وكأن اللعبة تخبرنا أن أعظم النعم تتجلى عندما تُدار الحياة بحنكة وحرية. ثم تأملت الجنود.. أبسط القطع قيمة في نظر كثيرين.. يتقدمون خطوة واحدة فقط ببطء يكاد لا يُرى ويُضحّى بهم أكثر من غيرهم.. لكن اللعبة تخبئ لهم سرا لا ينتبه إليه إلا الصابرون.. فإذا بلغ الجندي آخر الرقعة لم يبقَ جنديا بل صار قادرا على أن يتحول إلى أي قطعة يشاء. كم يشبه في هذا الإنسان ذلك الذي يبدأ من الصفر ويسخر منه الجميع ويظنون أنه سيظل في الصفوف الخلفية بينما كان يتقدم كل يوم خطوة صغيرة لا يلفت الأنظار حتى يبلغ المكان الذي يغيّر فيه كل شيء. وفي المقابل هناك من يتفوق في الإمكانات لكنه يخسر نفسه في أول الطريق. وفي الشطرنج أيضا لا تنتصر لأنك تهاجم طوال الوقت ولا لأنك تدافع طوال الوقت.. بل لأنك تعرف متى تفعل هذا ومتى تفعل ذاك.. الحياة ليست للأقوى ولا للأسرع بل لمن يقرأ الرقعة جيدا قبل أن يحرك قطعة واحدة. وكم من مباراة انتهت بسبب حركة ظن صاحبها أنها صغيرة وكذلك حياتنا. قرار عابر.. كلمة قيلت في لحظة غضب.. شراكة لم تُدرس.. ثقة وُضعت في غير موضعها.. قد تكون جميعها مجرد «نقلة» واحدة.. لكنها قادرة على تغيير نتيجة المباراة بأكملها. وأدركت أيضا أن اللاعب الماهر لا يكره خسارة قطعة لأنه ينظر إلى ما بعدها بينما المبتدئ يتعلق بكل قطعة حتى يخسر المباراة كلها وهو يحاول إنقاذ واحدة. وهذا ما نفعله كثيرا في حياتنا نتمسك بعلاقة انتهت أو وظيفة استنفدت غايتها أو فكرة تجاوزها الزمن فنخسر أعمارا كاملة لأننا لم نتعلم متى ننسحب ومتى نضحي ومتى نغلق الصفحة. ثم خطر في بالي سؤال آخر.. ماذا لو أن أغلب مشكلاتنا ليست لأن الرقعة ضدنا بل لأننا نلعب مباراة غيرنا؟ نحاول أن نكون كما الملك بينما خُلقنا لنبرع كحصان.. أو نقلد حركة الفيل ونحن لا نملك إلا طريق القلعة.. فنقضي أعمارنا نقارن أنفسنا بقطع خُلقت لتتحرك بطريقة مختلفة. وربما لهذا السبب لا تكون الحكمة في أن تصبح أقوى قطعة على الرقعة بل في أن تعرف أي قطعة أنت وأن تؤدي دورك بإتقان. ولذا فهمت أن ذاك الرجل لم يكن مخطئا تماما بل حاملا لرسالة مهمة لي شخصيا.. والخطأ لم يكن في أن نتعامل مع الحياة كما لو كانت رقعة شطرنج بل في أن نتعامل مع البشر وكأنهم مجرد قطع نحركها كيف نشاء ونتوقع النتائج التي ترضينا وحدنا. فالقطع تلك.. الصحيح أنها لا تمتلك قلوبا.. أما البشر فيغيرون قواعد اللعبة كلها عندما يشعرون ويحبون ويخذلون ويسامحون.. ولهذا ستبقى الحياة أعقد بكثير من أي رقعة شطرنج. والآن.. وأنا أنظر إلى ابني الصغير وهو منهمك في لعب الشطرنج.. يتفنن في الفوز على أخته التي بالكاد بدأت تفك شيفرة اللعبة.. فلا أملك إلا أن أضحك من قلبي وأنا أمازحه وأقول له يبدو أن لك مستقبلا واعدا.. فمن يبدأ مبكرا في فهم قواعد اللعبة يسهل عليه لاحقا أن يقرأ أنماط البشر.. ولأن الحياة في كثير من مواقفها تشبهها لعبة الشطرنج إلى حدٍّ بعيد فهي تحتاج إلى صبر وحسن تقدير وقراءة لما وراء الحركة وإدراك أن كل خطوة تفتح احتمالات جديدة ومن الذكاء ألا تكمن في الفوز على الآخرين وأن نتوجه إلى معرفة متى نتحرك ومتى ننتظر ومتى نحمي من يستحق أن يبقى إلى جانبنا في المحيط الأقرب لقلوبنا.. ممن هم ملوك اللعبة في قصتنا.. وهؤلاء هم من يفوزون في الشطرنج وفي الحياة أيضا ومعهم نحن دائما نكسب.. وبوجودهم يعتدل ميزان المقارنة.