قناع البطة أو الغزال؟
في يوم ممطر من أيام غلاسكو الكلاسيكية، قبل سنوات التقيت بصديقي قيس في أحد المقاهي هناك، فما وجدته إلا ملثماً بشماغ برتقالي ومرتدياً قناع غزال على غير عادته. ولتعرف ما حدث تعال معي للفقرة التالية. في يوم من الأيام، ترجَّل قيس من سيارته الزيتية اللامعة متعجلاً لأقرب دورة مياه بعد أن أنهى يومه الطويل بشرب الكثير من القهوة التركية لتأليف روايته الفلسفية المنتظرة، فظل يمشي باحثاً على دورة المياه وسط طريق غير معبَّد إلى أن وصل إلى مبنى يتوسطه باب خشبي عليه رأس غزال محنط، وما فتح الباب إلا وجد حفلة صاخبة وأضواء ملونة على شكل نجوم وقلوب حب، وأخذ قيس يتفحص تلك الجمهرة من البشر المرتدين لأقنعة حيوانات مريبة وبعضها مزركشة بالكريستال المدبب مع ملابس أقرب لأن تكون شفافة، فسأل قيس أحد الحضور إذا كان هناك دورة مياه في هذا المبنى، فلم يفهمه ذلك المدعو من شدة الصخب والقهقهة الهستيرية التي كانت تملأ المكان، فظل يسأل ويعلو بصوته عن مكان دورة المياه لقضاء حاجته، ومع علو صوته ظن أحد المدعوين أن قيس يردد الأغنية نفسها التي يرقصون عليها، فجعلوا قيس في وسط القاعة وهم يحاوطونه بدائرة مغلقة مبتهلين بضيفهم الجديد، فمنهم من يرمي عليه طوق كلب ومنهم من يعطيه دمية أسد ويحاول الرقص معه، والقليل منهم من يحاول فهم ما يقول وصراخه الذي يزيد بزيادة مستوى صوت الأغاني لكن دون جدوى فيكملون رقصهم، متجاهلين قيس واستنجاده والذي لا يريد سوى الخلاء لقضاء حاجته والخروج من ذلك المبنى. مع مرور ثلث ساعة ظل قيس يتعرق وظل يقاوم نفسه وماهي إلا ثوان وقد خارت قواه ولم يستطع إمساك نفسه أكثر فاتسخت بدلته الايطالية الأنيقة ذات ربطة العنق العنابية وتبلل زميلنا قيس بعد أن فشل في الذهاب لدورة المياه وقد سقط مغشياً عليه بعد ذلك. وما هي إلا ساعات وقد وجد قيس نفسه بثياب أخرى شفافة أشبه ما تكون إلى «دراعة نسائية»، ومع انهماكه لاستيعاب ما حصل له طرق أحدهم الباب ليسأل قيس قائلاً: «راح تبدي الحفلة تبي قناع البطة ولا الغزال؟» فيرد عليه قيس: «عطني قناع الغزال وأبي أغنية لاتينية بدخل عليها !!!». إن ما شهدته في الأسطر السالفة ما هو إلا قصة تتمحور بإسقاطات فيما نعيشه من حفلة اجتماعية صاخبة يملأها التفاهة والبحث عن الشهرة المصطنعة والتنافس حول الانانية الانسانية الفجة، فلما النخبة الثقافية والكاتب يتنازل عن دوره ليتحول من مفكر الى «فاشنيستا» أو «التيك توكرز» مع كل الاحترام لهم ليترك قيادة الساحة لمتعفني الدماغ سيكون العنوان حتماً حفلة، فعندما دخل قيس مستنجداً بالحمّام فلم يسمعه أحد فما بالك لو أخذ بمحاولة شرح فلسفاته الفكرية وايقاظهم من ذلك الحفل الصاخب؟! فالثياب الشفافة تمثل عري الفكر من الثقافة وتنامي الجهل والأقنعة تمثل محاولة كل شخص منهم العيش على غير حقيقته ومستواه ارضاءً لمعايير نجاح وهمية وطريقة عيش مثالية مخادعة خلقتها العولمة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وأما الصخب فقد كان أصوات هؤلاء الذين تصدروا نظام التفاهة عبر الشاشات ليغيبوا صوت العقل والعلم والأدب، وأما قناع قيس ما هو إلا استسلام المثقفين لموجة تسونامي التفاهة التي تصدرت المشهد وانحصرت الحركة الثقافية ما بين معرض كتاب سنوي أو قصاصة صحافية قديمة تتحدث عن الأطلال، فقد طمست هوية قيس وتحول إلى مقنع ليرضي مدعوي الحفل دون مقاومة.