ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم سامي عبدالمحسن الرويشد

القلم الذي يكتبك

في إحدى الندوات، طُلب من ثلاثة كتّاب أن يعلّق كل واحد منهم على الخبر نفسه، ثم حُذفت أسماؤهم قبل توزيع النصوص على الحضور. لم يحتج القراء إلى كثير من الوقت حتى أعادوا كل مقال إلى صاحبه. لم يكن الاسم حاضراً، ولا الخط معروفاً، لكن لكل نص نبرة لا تشبه غيرها. عندها أدركت أن القلم لا يكتب الكلمات وحدها، بل يكشف الإنسان الذي يقف خلفها، ويترك على الصفحة أثراً لا يستطيع صاحبه إخفاءه مهما حاول. نحن نظن أن الكتابة وسيلة لإيصال الأفكار، بينما هي في الحقيقة وسيلة لاكتشاف أصحابها. فاختيار المفردات، وترتيب الحجج، وضبط الانفعال، والإنصاف عند الاختلاف، كلها تبدو مهارات لغوية، لكنها في جوهرها تعكس طريقة التفكير قبل أن تعكس الفكرة نفسها. ولهذا يستطيع القارئ المتمرس أن يتعرف إلى الكاتب ولو غاب اسمه، لأن الأسلوب ليس ثوباً يمكن تبديله، بل حصيلة عمر كامل من التجارب والقيم والمواقف. واللافت أن الموضوعات تتكرر كل يوم، لكن النصوص التي تعيش في الذاكرة قليلة. فالخبر قد يكتبه الجميع، أما زاوية النظر إليه فهي التي تمنح النص هويته. ولهذا يفشل التقليد مهما طال؛ فقد يستعير الكاتب ألفاظ غيره، أو يقلد إيقاع جمله، لكنه لا يستطيع استعارة ضميره ولا ميزانه في الحكم على الأشياء. وما إن يمتد النص حتى تتسلل شخصية صاحبه من بين السطور، لأن الأسلوب لا يولد في المعاجم، بل في الحياة نفسها. ومن هنا يصبح الاختلاف الحقيقي بين الكتّاب اختلافاً في الإنسان، لا في اللغة وحدها. لكن الأهم أن الكتابة لا تكتفي بكشف صاحبها، بل تعيد بناءه أيضاً. فالكاتب الذي يراجع فكرة متسرعة، أو يحذف حكماً جائراً، أو يبحث عن كلمة أكثر عدلاً، لا يصنع مقالاً أفضل فحسب، بل يربي داخله على الدقة والإنصاف. ومع الزمن، تتغير كتابته لأنه تغير أولاً، وتنضج لغته لأنها أصبحت تحمل عقلاً أكثر هدوءاً وخبرة. وهنا يظهر الاكتشاف الحقيقي؛ فالقلم ليس أداة بين أيدينا، بل شريك خفي يعيد تشكيلنا مع كل نص. إننا نظن أننا نكتب أفكارنا، بينما أفكارنا تعود إلينا أكثر وضوحاً ونضجاً بعد الكتابة، حتى يصبح كل مقال درساً في بناء الإنسان قبل أن يكون وسيلة لإقناع الآخرين. لذلك، ليس أعظم ما يفعله القلم أنه يترك أثراً على الورق، بل أنه يترك أثراً في صاحبه أولاً؛ فكل كلمة صادقة نكتبها… تكتبنا قبل أن يقرأها الآخرون.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓