ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم فهد بدر الهلبان

مقصلة الأخطاء.. عندما تقتل بيئات العمل الابتكار

‎لا شيء يقتل الإبداع أسرع من الخوف. ففي كثير من المؤسسات، لا يخشى الموظفون ضغوط العمل بقدر ما يخشون ارتكاب خطأ قد يتحول إلى تهمة. وبينما تتصدر شعارات الابتكار الخطط الاستراتيجية والاجتماعات، تُدار الممارسات اليومية بعقلية مختلفة؛ عقلية تجعل السلامة في تجنب المحاولة، لا في السعي إلى التطوير. وهكذا تصل إلى الموظفين رسالة غير معلنة، لكنها واضحة: لا تُجرّب... كي لا تُخطئ. في بيئة الأعمال الحديثة، لم يعد الابتكار ميزة تنافسية فحسب، بل أصبح ضرورة للاستمرار. ومع ذلك، لا تزال بعض المؤسسات تتعامل مع الخطأ بوصفه دليلاً على ضعف الأداء، متجاهلة أن كثيراً من الإنجازات الكبرى بدأت بمحاولات لم تنجح من المرة الأولى. والأسوأ أنها لا تفرق بين خطأ سببه الإهمال، وآخر نتج عن اجتهاد أو تجربة هدفها تحسين العمل، فتتعامل معهما بالعقوبة نفسها، وتُضعف بذلك رغبة الموظفين في المبادرة. ومع مرور الوقت، تتشكل ثقافة خوف تدفع الموظفين إلى الاكتفاء بأداء الحد الأدنى من المهام، والابتعاد عن أي فكرة جديدة قد تجر عليهم المساءلة. وعندما تصبح تكلفة المبادرة أعلى من مكاسبها، يتراجع الإبداع، ويحل الروتين محل التفكير، وتخسر المؤسسة أهم مورد تمتلكه: عقول موظفيها. ولا تتوقف الخسارة عند تراجع الابتكار، بل تمتد إلى جودة العمل نفسها. ففي البيئات التي يطغى فيها اللوم على التعلم، يميل الموظفون إلى إخفاء الأخطاء بدلاً من الإبلاغ عنها، خشية العقوبة أو الانتقاد. وما كان يمكن معالجته مبكراً يتحول إلى مشكلة أكبر، لأن التركيز انصب على البحث عن المخطئ، لا على فهم أسباب الخطأ ومنع تكراره. تشير الباحثة إيمي إدموندسون (Amy Edmondson)، صاحبة مفهوم «الأمان النفسي»، إلى أن الفرق الأكثر نجاحاً ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تمتلك الثقة للاعتراف بأخطائها والتعلم منها دون خوف. كما يؤكد إد كاتمول (Ed Catmull) في كتابه Creativity, Inc. أن الفشل ليس نقيض النجاح، بل جزء من الطريق إليه، وأن دور القيادة هو بناء بيئة تسمح بالتجربة والتعلم، لا معاقبة كل تعثر. المؤسسات التي تعاقب المبادرة قد تحقق انضباطاً ظاهرياً، لكنها تخسر قدرتها على التجدد. أما المؤسسات التي تُحسن إدارة الخطأ، وتفرق بين التقصير والاجتهاد، فإنها تبني ثقافة تتعلم باستمرار، وتُطلق طاقات موظفيها بدلاً من تقييدها. في النهاية، لا تنهار المؤسسات لأنها أخطأت، بل لأنها جعلت موظفيها يخشون المحاولة. فالابتكار لا يولد في بيئة يسودها الترصد، بل في بيئة تمنح الثقة، وتشجع التجربة، وتعتبر الخطأ خطوة في طريق التحسين. وبين جوادٍ تعثر لأنه كان يركض، وآخر بقي واقفاً خوفاً من السقوط، يبقى الأول دائماً الأقرب إلى خط النهاية.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓