ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaمقالات بقلم عواطف السلمان

بوابة الاعتراف (6): الهشاشة ليست ضعفاً

بوابة الاعتراف (6): الهشاشة ليست ضعفاً

العين أرقّ ما في الوجه، حماها الجفن، وأحاط بها العظم، وجُعل لها الدمع يغسلها، ومع ذلك تكفي ذرّة غبارٍ لتوجعها.

ولم يقل أحدٌ إنّ العين ضعيفة، فهي التي ترى، ولو صُنعت من حجرٍ لما جرحها شيء، ولما رأت شيئاً.

قلتُ الأسبوع الماضي إنّ الإنسان الهشّ ليس اسماً لغيرنا، بل اسمنا، وكلّما قلتُها، فهمها بعضهم هكذا: كلّنا ضعفاء، وليس هذا ما أعنيه. فنحن نخلط في لغتنا بين 3 كلمات، ونظلم الناس بخلطها.

الضعف نسبي، لا يكون أحدٌ ضعيفاً إلا أمام ما هو أقوى منه، خصمٍ، أو مهمّةٍ، أو موقف، فحامل الصناديق أقوى من الطبيب في حمل الأثقال، والطبيب أقوى منه في علاج المرض.

والعجز حالة، وكثيراً ما يصنعها المكان لا الإنسان، فمستخدم الكرسي يمنعه الدرج، ويفتح له المنحدر طريقاً، ساقاه لم تتغيّرا، والذي تغيّر هو المكان، ولهذا يُعالَج كثيرٌ من العجز بتغيير المكان، لا بتغيير الإنسان.

أمّا الهشاشة فليست ترتيباً بين الناس، ولا حالةً تزول، فهي تعني أنّ الإنسان يمكن أن يُجرح، وهي واحدةٌ فينا جميعاً، وإن اختلف انكشافنا لها، لأنّها شرط أن نكون أحياء، يمسّنا العالم ونمسّه.

فإذا سمّينا الهشاشة ضعفاً، حدث شيءٌ خفيّ، صار الهشّ في درجةٍ أدنى، لأنّ الضعف درجة، وصار ما نقدّمه له منّةً من القويّ على الضعيف، وصار هدف كلّ برنامج أن «يقوّيه» حتى يستغني عنّا، فإن لم يستغنِ حُسب ذلك فشلاً عليه.

ونقيس نجاح البرامج بمن خرج منها لا يحتاج أحداً، كأنّ الغاية إنسانٌ لا يحتاج، وهذا الإنسان لا وجود له، فأقوى الناس يحتاج إلى من يسقيه الماء حين يمرض.

وصرنا نحن نخفي هشاشتنا، لئلّا نُحسب من الضعفاء، فالمدير لا يقول إنّه متعب، والطبيب لا يقول إنّه خائف، والأب لا يبكي أمام أبنائه، ثمّ نعجب كيف لا نرى هشاشة غيرنا، ونحن لا نجرؤ على رؤية هشاشتنا. وأقوى من عرفتُ في هذا الميدان لم يكونوا أقلّ الناس هشاشة، أمّهاتٌ يحملن أبناءً لا يمشون، ويصعدن بهم الدرج، حيث لا منحدر، ولم تكن قوّتهنّ عذراً للدرج الذي لم يتغيّر. ومتعافون يعرفون أنّهم سيبقون هشّين ما عاشوا، وينهضون كلّ صباح، لم تكن هشاشتهم نقيض قوّتهم، كانت فيهم هشاشةٌ مكشوفة، ولم يختبئوا منها.

ولهذا لا معنى لأن نشترط على الإنسان أن يكفّ عن الهشاشة ليُعترف به، فهو لا يكفّ عنها إلا حين يكفّ عن أن يكون إنساناً. الهشاشة ليست ما ينقص الإنسان، إنّها ما يجعله قادراً على أن يُجرح، وأن يُحبّ، وأن يرى، كالعين تماماً.

ملخّص قياس

نقد خلط المفاهيم في اللغة

آخر الأخبار المصدر الأصليّ أهم أخبار الكويت اليوم
تم نسخ الرابط ✓