الأغلبية الصامتة: حتى نهدأ قليلاً

في الأزمان السحيقة كانت الأخبار تنتقل على ظهر سلحفاة، ومع اكتشاف ميزة الحمام الزاجل في نقل الرسائل قفزت البشرية قفزة هائلة في سرعة انتقال الأخبار، ومع التطورات المتلاحقة في وسائل النقل والإعلام كان الراديو يعتبر ثورة حقيقية في مجال نقل الأخبار والاستماع لمتحدثين من قارة أخرى.
ولا حاجة هنا لسرد تطورات أدوات توصيل الأخبار كالصحف والتلفزيون، لكن المهم وهو جوهر الموضوع، حجم الانتشار وسرعة انتقال الخبر لحظة وقوعه حتى وصوله إلى أذن المستمع، وتأثيره على صاحب القرار والرأي العام.
من أيام العمل في الصحافة اليومية، اعتاد الناس بعد قراءة عناوين الصفحة الأولى التي لا تكون عادة سوى عن المصائب، وأخبار فلان هشّم رأس فلانة بعد أن اكتشف خيانتها، وتمساح التهم ذراع مدربه، ترديد عبارات مثل «العالم مليان مشاكل» و«قربت الساعة»، وكان ذلك على أيام الصحافة الورقية، التي تنشر الخبر بعد وقوعه بيوم أو أكثر، الآن وفي ظل وجود الخدمات الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي أصبح كل شيء فورياً ولحظياً، وأحياناً «نقل حي».
هذه الحالة من تلقي كل هذه الأخبار التي غالباً ما تكون سلبية ومزعجة، خلقت صورة ذهنية عن عالم يوشك على الانهيار، وأن ما يحصل اليوم لم يحدث من قبل، وقد يكون جزءاً من هذه النظرة المتشائمة صحيحاً، ولكن تفسير ذلك أن أعداد البشر تزايدت بمئات الملايين، ومن المنطقي تزايد أرقام الجرائم معها بصورة طردية.
إن الحياة المثالية في حياة البشر لم تكن يوماً موجودة بالصورة التي يحاول البعض رسمها لمجتمع الملائكة الذين يزعمون أنه كان موجوداً، لأن البشر هم البشر عبر التاريخ بطبائعهم وخصالهم التي جعلتهم في منزلة بين الشياطين والملائكة، وكتب التاريخ تعج بعدد لا يحصى من الحوادث التي تدل على طبائع البشر التي لا تتغير مثل حب المال والطمع في المزيد منه.
في الختام، وحتى نهدأ قليلاً ونخفف على أنفسنا ومن يتأثرون من حولنا، علينا أن نعيش بسعادة قدر المستطاع، وندرك أن العالم لم يتغير إلا في أعداد البشر وأدوات القتل وتضخم المصالح وسرعة انتشار الأخبار.
لم يتغير العالم إلا في هوس الناس بالتصوير أكثر من تقديم المساعدة لإنسان يوشك على الموت أمامهم. إن العالم قديماً لم يكن مثالياً بدليل كثرة الحروب وانتشار الأوبئة الفتاكة فيه، وعالم اليوم ليس هو الآخر مثالياً ويوشك على الفناء، إما بسبب غضب الطبيعة التي ملّت حماقتنا، أو بسبب الأسلحة النووية.