«التربية» تعيد نظام المقررات

في ضوء ما يُطرح بشأن إعادة نظام المقررات إلى المرحلة الثانوية بحلّةٍ جديدة، فإن هذه الخطوة تستحق الترحيب والدراسة الجادة، لما يوفره هذا النظام، عند حُسن تصميمه وتطبيقه، من مرونة في اختيار المواد، ومراعاة للفروقات الفردية، وإتاحة قدر أكبر من المسؤولية للطالب في بناء خطته الدراسية. غير أن العودة إلى النظام السابق مع بعض التغييرات قد لا تكون كافية لمواجهة التحوُّلات العلمية والتقنية والمهنية التي شهدها العالم الآن.
ووفقاً لمقتضيات التطوير المنهجي للنظم التعليمية، ينبغي أن يسبق تعميمَ أي نظام جديد تطبيقٌ تجريبي في عينة ممثلة من المدارس، بما يُتيح تقويم فاعليته، ورصد متطلبات تنفيذه، والكشف عن جوانب القصور ومعالجتها قبل اعتماده على نطاق أوسع. وتُحدَّد قبل بدء التجربة مؤشرات واضحة لقياس النجاح كمستوى التحصيل، ونِسب التعثر والغياب، وقدرة الطالب على اختيار مواده، وأعباء المعلمين والإدارات، وسلامة احتساب المعدَّل، ثم تُقارن النتائج بمدارس تستمر على النظام القائم، وتُنشر خلاصة التقويم بشفافية قبل اتخاذ قرار التعميم. فمستقبل الطلبة ينبغي ألا يكون ميداناً لتجربة واسعة يصعب التراجع عن آثارها بعد تطبيقها على عشرات الآلاف منهم.
ومع الإبقاء على المسارين العلمي والأدبي، يمكن منح المشروع مرونةً حقيقية، من خلال حزم من المقررات الاختيارية داخل كل مسار، من غير استحداث مسميات جديدة قد تُربك القبول الجامعي. فالطالب العلمي الراغب في الهندسة يمكن أن يتوسع في الرياضيات والفيزياء والتصميم، والمتجه إلى الطب والعلوم الصحية يختار مقررات أعمق في الأحياء والكيمياء والثقافة الصحية، فيما يدرس الراغب في الحوسبة مقررات في البرمجة وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
وكذلك ينبغي ألا يكون المسار الأدبي خطة واحدة لجميع الطلبة، فالمتجه إلى القانون يحتاج إلى مواد في الثقافة القانونية والمنطق والكتابة القانونية، والراغب في الدراسات الشرعية يحتاج إلى توسع في العربية والفقه والتاريخ الإسلامي، فيما يمكن للمهتم بالإعلام والفنون أن يختار مقررات في الكتابة الأدبية والإلقاء والمسرح والفنون الجميلة والتصميم الفني والتصوير والوسائط الرقمية. وبذلك يجد الطالب مواد تسند ميوله وتمنحه تصوراً أولياً عن مستقبله.
إن حُرية الاختيار لا تنجح بمجرَّد عرض قائمة طويلة من المواد، إذ تحتاج كل مدرسة إلى إرشاد أكاديمي حقيقي يعرِّف الطالب بمتطلبات التخصصات الجامعية، ويربط اختياراته بقدراته ونتائجه وميوله، لا برغبة عابرة أو تقليد زملائه. كما ينبغي إتاحة تعديل بعض الاختيارات ضمن ضوابط واضحة، حتى لا يتحوَّل قرارٌ مبكِّر إلى قيدٍ دائم.
ولا ينبغي استحداث هذه المقررات بقرارٍ تربوي منفرد من وزارة التربية، بل بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي وجامعة الكويت و«التطبيقي» والجامعات الخاصة، حتى يُعرف وزن كل مقرر في القبول وأثره في التخصصات المتاحة، وألا يكتشف الطالب بعد تخرُّجه أن المواد التي اختارها لا قيمة لها في مساره الجامعي. فكم درسنا من مواد علمية وأرهقتنا وأخذت من جهدنا وأعمارنا لاجتيازها ولم نرَ أثر نفعها في حياتنا الوظيفية أو العملية.
يقول أحد الزملاء: كان أجمل ما في المواد الاختيارية في نظام المقررات السابق أنها لا تقبل إلا عدداً محدوداً من الطلبة، وهذا بحد ذاته يُشعرنا بالتميز... كبرنا ونسينا معظم المواد الإجبارية، لكننا لم ننس حلاوة المواد الاختيارية التي اكتشفنا فيها أنفسنا ومواهبنا.