فراسة تاجر

العم الفاضل عادل علي عبداللطيف الحمد (أبو راكان)، حفظه الله تعالى، من أسرةٍ كريمة معروفة في الكويت، وكما قِيل قديماً: «وهل تُحوج الشمس إلى شمعة؟». فالأسرة الكريمة غنية عن التعريف، ولا تحتاج إلى ثناءٍ أو مديح.
أحيل القارئ الكريم إلى لقاء للعم عادل على «يوتيوب» قناة TURA_KU تحدَّث فيه حديثاً شيقاً عن نفسه وعن أُسرته. حدَّثنا ذات يوم عن أحد تجار القرن الماضي، وهو عثمان الراشد، رحمه الله تعالى، من أهل الزلفي، وكان يبحث عن شخص يولّيه إدارة تجارته. وبينما هو جالس مع رجل ممن كان ينظر في أمر توليته، وبينهما موقد تشتعل فيه النار، أراد الرجل أن يُشعل سيجارة، فأخذ عوداً من الكبريت وأشعله، رغم وجود النار مشتعلة أمامه. لم يمر هذا التصرُّف مروراً عابراً عند التاجر، فقد رأى فيه طريقة تفكير الرجل، ونظر إلى ما هو أبعد من عود الكبريت: فإذا كان أمامه مصدر للنار، ثم أنفق عوداً من الكبريت من دون حاجة، فكيف سيكون تصرفه إذا ولَّاه تجارته وائتمنه عليها؟
الإنسان يستطيع أن ينتقي كلماته عندما يعلم أنه تحت الاختبار، ويستطيع أن يقدِّم أفضل صورة عن نفسه حين يسأل عن الأمانة أو الحرص أو حُسن الإدارة، لكن بعض التصرُّفات العفوية تخرج من دون إعداد. لهذا قد تقول عن صاحبها أكثر مما تقوله إجابة محسوبة.
الإنسان أعقد من أن تختصره لحظة، أو أن يُحكم عليه من موقفٍ واحد، إلا أن هذه القصة تُرينا دقة الملاحظة في الاختيار، وأهمية تولية الرجل المناسب في المكان المناسب، والتأني في اختيار مَنْ نضع المسؤوليات بين أيديهم ونودعهم أماناتنا. ولنا في هذه القصة العابرة حِكمة أخرى، هي بركة الجلوس مع أهل الخبرة والتجربة الطويلة في الحياة، والاستفادة مما شاهدوه وعايشوه وسمعوه من أخبار الرجال وأحوالهم، فرُب موقفٍ صغير حفظوه لنا يحمل من المعاني ما لا تحمله صفحات طوال.