لماذا يقتل بعضنا ذكرياته؟

على امتداد حياتنا ويومياتنا، نجد أنه تتراكم في داخلنا صور وأصوات ومواقف نظن أنها رحلت بانتهاء زمنها، لكنها فجأة تعود بلا استئذان!، وهنا نتساءل: لماذا تلاحقنا بعض الذكريات، بينما نتحاشى نحن الاقتراب منها؟
بداية، كلنا يرى أن الذكريات ليست ملفات جامدة محفوظة في عقولنا، بل أجزاء من تكويننا النفسي والوجداني، وبعضها يمنحنا الدفء والطمأنينة، وبعضها يفتح جرحاً حسبناه قد التأم ألمه، لذلك يلجأ بعض الناس إلى الهروب من الماضي، ليس نسياناً منهم، بقدر ما هو خوف من الذكريات في خاطرهم، التي يخشون بعودتها أن تعيد إليهم الألم بالحجم ذاته، فقد تحمل صورة واحدة فقداً قديماً، أو خيبة صديق، أو ظلماً لم يُنصف صاحبه، أو قراراً ما زال الإنسان يلوم نفسه عليه.
لكن المشكلة ليست في أن نستدعي الذكريات، بل في الطريقة التي نستقبل بها ما نتذكره، فهناك من يستدعي الماضي ليعاقب نفسه ويجلد ذاته، ويظل يدور في دائرة مغلقة من أفكار تحوم حول: «لو أنني فعلت» و«ليتني لم أفعل»، حتى يتحول الماضي عنده من زمن انتهى إلى سجن مستدام، وهناك من ينكر ذكرياته ويحاول قتلها، غير مدرك أن ما نهرب منه لا يختفي دائماً، بل قد يكون بشكل خفي في مزاجنا، وقراراتنا، وعلاقاتنا بالآخرين.
فالعاقل ليس من يمحو ماضيه، فمحو الماضي يعني إلغاء جزء من الذات، إنما العاقل من يعيد ترتيب علاقته بالذكريات، فيأخذ منه الدرس ويترك فيه الألم، ويستدعي التجربة عندما يحتاج إلى الحكمة، ولا يستدعي الوجع كلما أراد أن يثبت لنفسه أنه كان ضحية، فالماضي مخزون هائل للتجارب، ومنبع للاستدعاء والمقارنة، ومرآة تكشف لنا كيف كنا، ولماذا أخفقنا، وكيف استطعنا النهوض بعد ذلك.
فالتصالح مع الذكريات لا يعني تبرير ما حدث، ولا مسامحة من لا يستحق المسامحة، وإنما يعني تحرير النفس من سلطة حدث مضى، حتى لا يظل الغائبون والراحلون والأخطاء يديرون حاضرنا من وراء الستار، فليس المطلوب منّا أن نعيش في الماضي، ولا أن نهرب منه في الوقت نفسه، بل أن نزوره بوعي ثم نعود إلى حاضرنا أخف حملاً وأقل هماً وأكثر فهماً، فمن لا يتعلم من ذاكرته يكرر أخطاءه، ومن يسكن فيها يفقد مستقبل أيامه.