ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaمقالات بقلم د. محمد عبدالرحمن العقيل

تحياتي لكذبات إيران

تحياتي لكذبات إيران

كان سؤالي في المقال السابق: كيف تركت إيران أضخم قوة بحرية أميركية تحاصر سواحلها وتضربها يوميا، ويكون ردّها على الخليج؟!

أما السؤال الثاني والأعجب: لماذا لا تُركز إيران ضرباتها على إسرائيل بدلا من أن تركّزها على البحرين والكويت اللتين لا علاقة لهما بكل ما جرى؟! ألّا يعلم الحرس الثوري أن الكيان المحتل الإسرائيلي هو مركز أميركا في المنطقة، وهو رأس الأفعى الذي تُحاك به المؤامرات، وهو الذي أشعل الحرب واغتال قياداتهم؟!

إن هذا السلوك ليس طارئًا على النظام الإيراني الثوري، بل هي سياسة تحمل معها أحقادا دفينة، خرجت إلى العلن بوضوح مع أول شعور بالزعزعة والانهيار المؤسسي في الداخل.

فالقضية يا إخوان أعمق من مجرّد حساب عسكري يبرر له بوجود القواعد الأميركية في الخليج؛ إنها عقلية عقدية سياسية لا تحتمل أن ترى جيرانها في أمن واستقرار ونماء. فبدلا من أن تستثمر مع جوارها في مجالات العلم والعمران والتقدم الحضاري والتقارب الفكري، أو توجّه ثرواتها لرفاهية المواطن الإيراني وتنميته، كرّست طاقاتها وعلمائها لتصنيع أسلحة تُحارب بها جيرانها وتثير الفتن الطائفية، واستنزفت ثروات بلادها في تسليح فيالق الحقد لحماية النظام وتثبيت أركانه.

إن هذا التحامل على الخليج لم ينشأ في هذه الحرب؛ فقد عمل النظام الإيراني طويلا على شحن قطاعات من شعبه ضد أبناء الجزيرة. حتى صار العربي في بعض ذلك الخطاب خصما تاريخيا، وصار الخليجي متهما بالترف والعمالة والتبعية، وكأن نعمة الأمن والعمران جريمة تستوجب العقوبة!

لقد بيّن القرآن العظيم حقيقة هذا الصنف من الناس، عندما وصف ما في قلوب أهل الكتاب من حسد وبُغض، في قوله: «وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ».

ويقول أهل العلم إن الباعث الأساسي لم يكن الجهل بالحق أو الشك فيه، بل كان المحرّك الأول والوحيد هو الحسد المحض؛ إذ ساءهم أن يروا غيرهم في نعمة وأمن ورفعة، فتمنّوا زوالها وسعوا لإفسادها وزوالها من دون وجه حق. وهذا تماماً حال كل حاقد يعجز عن النهوض بنفسه وبناء تجربته الناجحة، فيسعى لهدم الآخرين وإسقاطهم لتجريدهم من نعمهم.

والحسد في الاصطلاح الشرعي واللغوي هو تمنّي زوال النعمة عن المنعم عليه والرغبة في سلبها منه. وقد أفاض العلماء، في بيان، خطره وجذوره النفسية؛ حيث عرّفه ابن القيم بأنه «بُغض نعمة المنعم على الغير وتمنّي زوالها».

وهذا التباين يكشف الفرق بين النفوس السويّة والنفوس المريضة؛ يقول الفضيل بن عياض: «المؤمنُ يَغْبِطُ ولا يَحْسُدُ، والمُنَافِقُ يَحْسُدُ ولا يَغْبِطُ». فالغبطة تتمنى الخير للجميع، أما الحسد فلا يورّث إلّا الضغينة والتربص.

ولعل أبلغ ما يصف عمق هذا الداء ما أُثر عن معاوية بن أبي سفيان إذ قال:

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓