ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمقالات بقلم عبدالرحمن العتيبي

إلى رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السيد خليل الحية

‏لقد تابعنا تصريحاتكم التي وجهتم فيها الشكر إلى إيران والحوثيين وحزب الله وبعض الفصائل المسلحة في العراق، باعتبارهم من قدموا السلاح والدم دعماً لحركة حماس. ومن حقكم أن تشكروا من ترون أنه ساندكم، لكن من حق الآخرين أيضاً أن يتساءلوا: أين ذهبت ذاكرة الوفاء تجاه من وقف مع القضية الفلسطينية لعقود دون أن يطلب ثمناً سياسياً أو يسعى إلى تحويلها إلى ورقة نفوذ إقليمي؟

‏إنّ دولة الكويت ومعها دول مجلس التعاون الخليجي، لم تكن يوماً متفرجة على معاناة الشعب الفلسطيني. فمنذ بدايات القضية وحتى اليوم، كانت المساعدات الإنسانية، والدعم السياسي، والتحركات الدبلوماسية، والإغاثة، وإعادة الإعمار، والاحتضان الشعبي، شواهد لا يمكن محوها أو تجاوزها. هذا الدعم لم يكن استثماراً سياسياً، ولم يكن مشروطاً بالولاء، بل انطلق من قناعة راسخة بأن فلسطين قضية عربية وإسلامية عادلة.

‏أما إيران، التي قدمتم لها الشكر، فهي ليست مجرد دولة داعمة للمقاومة، بل دولة ارتبط اسمها بتغذية الصراعات الداخلية، وإنشاء الميليشيات، وتقويض مؤسسات الدول. ففي العراق، دفعت الدولة والمجتمع أثماناً باهظة بسبب انتشار السلاح خارج إطار الدولة. وفي اليمن، ما زالت الحرب والانقسام يحصدان الأرواح ويقوضان مستقبل البلاد. وفي لبنان، يعيش الشعب واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية والسياسية في ظل واقع السلاح الموازي للدولة.

‏إنّ إيران التي توجهون كلمات الشكر لها لا تزال تعيش رهن فكرها الأيديولوجي الثوري والطائفي، ما زالت عند مشروعها الذي نسجته منذ سبعة وأربعين عاماً لتصدير ثورتها خدمةً لمشروعها التوسعي، وهي تتماهى مع الكيان الصهيوني بهذا الهدف وإن اختلفت الأدوات، إيران اليوم توجه صواريخها ومسيّراتها لتدمّر دولاً شقيقة لكم وشعوباً كانت وما زالت السند الحقيقي للشعب الفلسطيني الشقيق.

‏الحقائق واضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار ولا يمكن تجاوزها أو تجاهلها في سبيل خطاب سياسي يفتقد إلى التوازن.

‏لا أحد ينكر تضحيات المقاومة الفلسطينية، ولا حجم الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية. كما لا يستطيع أحد أن ينكر صمود الفلسطينيين وتضحياتهم الجسام دفاعاً عن أرضهم وحقوقهم المشروعة. لكن عدالة القضية الفلسطينية لا تمنحكم الحق في منح البراءة السياسية لمن يعبث بأمن الدول العربية واستقرارها.

‏القضية الفلسطينية كانت وستظل أكبر من أن تُختزل في محور إقليمي أو مشروع سياسي عابر للحدود. وقيمتها الأخلاقية تنبع من عدالتها، لا من التحالفات التي تُنسج حولها.

‏إنّ ما يؤلم أبناء دول مجلس التعاون، وفي مقدمهم نحن في الكويت، ليس أن تشكروا من دعمكم، وإنما أن يبدو خطابكم وكأنه يتجاهل أو يقلل من قيمة عقود طويلة من الدعم العربي الصادق. فالكويت لم ترسل ميليشيات، ولم تؤسس جماعات مسلحة، ولم تتدخل في شؤون الدول العربية، لكنها فتحت أبوابها لفلسطين، وقدمت المال والإغاثة والدعم السياسي والإنساني في مختلف المحافل، وكانت دائماً من أكثر الدول التزاماً بمساندة الشعب الفلسطيني.

‏كان الأولى بقيادة حماس أن تدرك أن الارتهان لمحور واحد يفقدها جزءاً من رصيدها العربي، ويضعف الإجماع الذي طالما شكّل مصدر قوة للقضية الفلسطينية.

‏إنّ المقاومة التي تنشد التحرير يجب أن تبقى مستقلة في قرارها، وألا تتحول إلى امتداد لمشاريع إقليمية تتقاطع مصالحها مع مصالح الشعوب العربية، بل وتتعارض معها في كثير من الأحيان.

‏رسالتي إليكم ليست خصومة، بل نصيحة صادقة: لا تجعلوا الامتنان السياسي يطغى على ذاكرة الوفاء، ولا تسمحوا بأن تُفهم القضية الفلسطينية على أنها رهينة لمحور بعينه. ففلسطين كانت وستبقى قضية الأمة كلها ولن يكون من مصلحتها أن تُحسب على مشروع إقليمي دون غيره.

‏فالوفاء لا يُجزّأ، والذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تُنتقى، ومن أراد أن يحافظ على مكانة قضيته في وجدان العرب، فعليه أن يكون منصفاً مع جميع من وقف معه، وأن يفرّق بين الدعم الصادق الذي يحفظ استقلال القرار، وبين الدعم الذي قد يحمل في طياته حسابات تتجاوز حدود فلسطين.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓