ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
aljaridaمقالات بقلم هدى كريمي

عدسات مفتوحة وقلوب مؤصدة

عدسات مفتوحة وقلوب مؤصدة

في زمن أصحبت فيه الهواتف الذكية ملازمة لأيادينا، لم يعد شيء يفلت من عدسات الكاميرات. نصور وجبة ما، قبل أن نتذوقها، ونوثق غروب الشمس قبل أن نتأمله، ونلتقط حياتنا اليومية، ثم نسارع إلى نشرها في منصات التواصل الاجتماعي بحثاً عن إعجاب أو تعليق أو مشاركة. نحسن تأطير المشهد، ونخفق في احتواء الإنسان. نضبط الإضاءة والزوايا بدقة، بينما تفوتنا أدقُ الإشارات التي يبعثها قلب مكسور.

لكن، وسط هذا السيل الجارف من الصور، يبرز سؤال مؤلم: هل ما زلنا نرى الإنسان؟ لقد أصبحنا بارعين في توثيق اللحظات، لكننا أصبحنا أقل مهارة في التقاط الألم الإنساني. وهذه القضية تمس جوهر العلاقات الإنسانية.

لقد أحدثت الثورة الرقمية نقلة غير مسبوقة في وسائل الاتصال، لكنها في الوقت نفسه أعادت تشكيل طبيعة العلاقات بين البشر. جعلتنا التكنولوجيا أكثر انشغالاً بالشاشات من الوجوه، وأكثر اهتماماً بما يحدث على هواتفنا مما يحدث في قلوب من حولنا. أصبح الإنسان قادراً على متابعة أخبار أشخاص يعيشون في أقصى الأرض، بينما قد يجهل أن جاره يمر بأزمة نفسية، أو أن أحد أفراد أسرته يعيش اكتئاباً صامتاً. فكم من مشاعر دفينة عجزت الأجهزة عن نقلها.

هذا السلوك المتمثل في قضاء ساعات طويلة خلف الشاشات، جعلنا نخسر القدرة على الإصغاء والملاحظة والتفاعل الإنساني. لنعلم أن التعاطف لا يولد من شاشة، بل من تفاعل بصري ومن حضور ومن إحساس صادق بمعاناة الآخرين. إن كلمة صادقة، أو اتصالاً هاتفياً، أو زيارة قصيرة، أو رسالة اطمئنان، قد تكون في بعض الأحيان أكثر أثرا من آلاف المنشورات التي تحصد الإعجاب.

إن التعاطف قيمة تكتسب، ومسؤولية إحيائه تبدأ من الأسرة. فالطفل الذي يرى والديه يساعدان الآخرين، ويزوران المرضى، ويحترمان كبار السن، ويهتمان بمشاعر الناس، ينشأ وهو يدرك أن الإنسانية ليست شعاراً، بل ممارسة يومية. ثم تأتي المدرسة، التي لا ينبغي أن يقتصر دورها على نقل المعرفة، بل عليها أن تبني الشخصية أيضاً. فالطالب يحتاج إلى أن يتعلم مهارات التعاطف، والإصغاء، والعمل التطوعي، وحل النزاعات بالحوار، واحترام الاختلاف، بقدر حاجته إلى الرياضيات والعلوم واللغات. فالقيم لا تدرس بالنصوص وحدها، وإنما تغرس بالممارسة، والقدوة، والأنشطة التي تجعل الطالب يشعر بمعاناة الآخرين ويتفاعل معها. فيجب على المدرسة عدم الاكتفاء بتلقين العقول بل بتربية الوجدان أيضاً. أما الإعلام فيمتلك قدرة هائلة على تشكيل الوعي المجتمعي لأن مسؤوليته تمتد إلى صناعة الحس الإنساني. إن إبراز قصص التكافل، والعمل التطوعي، والمبادرات الإنسانية، ونماذج الرحمة، يرسخ في المجتمع ثقافة أن ترى الإنسان قبل الحدث، والكرامة قبل الإثارة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي ينبغي أن نتذكرها دائماً وهي أن أعظم صورة يمكن أن يلتقطها الإنسان ليست تلك التي تحفظها ذاكرة الهاتف، بل تلك التي يحفظها قلب إنسان آخر عندما يشعر أنه لم يكن وحده في لحظة ألمه. فلنعد ترتيب الأشياء بشكلها الصحيح: الإنسان أولاً، ثم الصورة. وسيأتي يوم تبهت فيه كل الصور التي التقطناها، ولا يبقى منا إلا الأثر الذي تركناه في أرواح الآخرين. فلنحرص أن يكون في ألبوم أعمارنا، إلى جانب آلاف الصور، صورةٌ واحدة لا تلتقطها العدسات: صورة إنسان انتبه لألم إنسان فاحتواه.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓