تايوان.. شرارة محتملة لصدام أميركي ـ صيني

لم تعد تايوان مجرد بؤرة خلاف تاريخي بين الصين والولايات المتحدة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر نقاط التوتر حساسية في النظام الدولي، بعدما تداخلت فيها اعتبارات الأمن القومي مع التكنولوجيا والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.وتؤكد بكين أن تايوان جزء من أراضيها وتتمسك بهدف إعادة توحيد الجزيرة مع الصين، بينما تحافظ واشنطن على سياسة تقوم على دعم قدرة تايوان على الدفاع عن نفسها من دون إقامة علاقات دبلوماسية رسمية معها. وفي المقابل، تتمسك تايوان بالحفاظ على وضعها القائم وترفض الخضوع لبكين.وخلال السنوات الأخيرة، تحولت الضغوط العسكرية الصينية حول الجزيرة إلى عنصر شبه دائم في المشهد الأمني، مع تزايد نشاط الطائرات والسفن الصينية في محيط تايوان. وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع النشاط البحري الصيني حول الجزيرة منذ يونيو 2026، فيما وسعت تايوان تدريباتها العسكرية لتشمل سيناريوهات الحصار والهجوم وتعطيل الاتصالات.تكمن خطورة تايوان أولاً في موقعها الجغرافي. فالجزيرة تقع في قلب ما يعرف بـ«سلسلة الجزر الأولى» التي تمتد بمحاذاة الساحل الصيني، ما يجعل السيطرة عليها ذات أهمية عسكرية مباشرة بالنسبة إلى بكين وواشنطن وحلفائهما في شرق آسيا.تايوان تحتل أيضاً موقعاً محورياً في صناعة أشباه الموصلات، وفي مقدمتها الرقائق المتقدمة المستخدمة في الهواتف والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والسيارات والأنظمة العسكرية. ولذلك فإن أي اضطراب كبير في إنتاج الرقائق التايوانية أو تصديرها يمكن أن ينتقل سريعاً من شرق آسيا إلى المصانع والأسواق في أنحاء العالم.ويرى مجلس العلاقات الخارجية الأميركي أن سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين زاد من أهمية تايوان، لأن سلسلة توريد الرقائق التايوانية أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالقدرة الأميركية على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.وهنا تتحول الجزيرة إلى أكثر من قضية جغرافية سياسية؛ إذ تصبح جزءاً من الصراع على التكنولوجيا التي ستحدد موازين القوة الاقتصادية والعسكرية خلال العقود المقبلة.لا يعني اندلاع أزمة في مضيق تايوان بالضرورة أن تبدأ بغزو شامل. فهناك مجموعة من السيناريوهات الأقل مباشرة، تبدأ من تكثيف المناورات والضغط البحري والجوي، وصولاً إلى فرض قيود على حركة السفن والطائرات أو إقامة حصار بحري وجوي.وقد ركزت التدريبات العسكرية التايوانية خلال 2026 بصورة أكبر على مواجهة سيناريو الحصار والهجوم، فيما واصلت الصين تكثيف نشاطها البحري والعسكري حول الجزيرة.وهذا يجعل خطر سوء التقدير أو الحادث العسكري عاملاً مهماً في حسابات الأزمة؛ فقد يؤدي احتكاك بين سفن أو طائرات إلى سلسلة من الإجراءات المتبادلة، حتى إذا لم يكن الطرفان قد قررا مسبقاً خوض حرب شاملة.وفي الوقت الراهن، تشير تقديرات مسؤولين أميركيين إلى أن الصين لا تبدو مرجحة لشن غزو واسع قبل 2028، رغم توجيهات الرئيس شي جين بينغ للجيش بأن يكون مستعداً بحلول 2027. وتربط هذه التقديرات جزءاً من حساباتها بعوامل تتعلق بالجاهزية العسكرية الصينية وبالانتخابات التايوانية المقبلة.