حرب أوكرانيا بين التفاوض والتصعيد.. ورحلة البحث عن التسوية

بعد أكثر من أربعة أعوام على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، لا تزال نهاية الصراع بعيدة عن الحسم، فيما تتحرك التطورات على مسارين متوازيين: جهود دبلوماسية أميركية لإعادة موسكو وكييف إلى طاولة التفاوض، وتصعيد عسكري مستمر على الأرض وفي العمق.وشهدت الأيام الأخيرة مؤشرات متناقضة؛ ففي الوقت الذي أبدت فيه كييف استعدادها لجولة جديدة من المحادثات الثلاثية مع روسيا والولايات المتحدة، كثفت موسكو هجماتها الصاروخية وبالطائرات المسيّرة على المدن والبنية التحتية الأوكرانية. وفي أحدث موجة من الهجمات في 7 أكتوبر، قُتل ما لا يقل عن 25 شخصاً وأصيب نحو 100 آخرين، في واحدة من أكثر الضربات دموية خلال الفترة الأخيرة.وتسعى الولايات المتحدة إلى إعادة إطلاق مسار تفاوضي يجمع موسكو وكييف، وسط حديث عن إمكانية عقد جولة جديدة من المحادثات خلال أكتوبر. وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداد بلاده للمشاركة في محادثات ثلاثية بوساطة أميركية، في مؤشر على بقاء المسار الدبلوماسي مطروحاً رغم استمرار القتال.لكن استئناف الحوار لا يعني بالضرورة اقتراب اتفاق نهائي؛ إذ لا تزال الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، والضمانات الأمنية لأوكرانيا، وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار، تمثل نقاط خلاف رئيسية. ويشير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي إلى أن المحادثات التي تقودها واشنطن لم تنتج حتى الآن وقفاً لإطلاق النار، فيما لا يزال الطرفان مختلفين بشأن التنازلات الإقليمية والضمانات الأمنية.في المقابل، تواصل روسيا استخدام قوتها العسكرية للضغط على أوكرانيا، بالتزامن مع محاولات اختبار قدرة كييف وحلفائها على مواصلة الحرب. وتأتي الهجمات الأخيرة على المدن والمنشآت الحيوية في وقت تواجه فيه أوكرانيا ضغوطاً متزايدة على منظومات الدفاع الجوي، خصوصاً صواريخ «باتريوت» الأميركية. وتبدو حسابات موسكو مرتبطة أيضاً بقدرتها على مواصلة حرب الاستنزاف، في وقت تحاول فيه اختبار مدى استعداد الدول الأوروبية للحفاظ على مستوى الدعم لأوكرانيا، في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجهها القارة. وتقول تحليلات غربية إن الكرملين يراهن على استمرار الحرب والضغط على الجبهة الداخلية الأوروبية، بينما تؤكد موسكو أن عملياتها العسكرية مرتبطة بأهدافها الأمنية والسياسية المعلنة.أما أوكرانيا، فتسعى إلى الجمع بين المسار الدبلوماسي والحفاظ على قدرتها العسكرية. فقبولها العودة إلى المحادثات لا يأتي بمعزل عن مطالبتها بضمانات أمنية ودعم عسكري مستمر، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المسيّرة.وتكشف التطورات الأخيرة أن قدرة كييف على مواصلة الحرب لا تزال مرتبطة بدرجة كبيرة باستمرار تدفق الأسلحة والتمويل الغربي. وفي 7 أكتوبر، أعلنت أوكرانيا حاجتها الملحة إلى مزيد من صواريخ «باتريوت» لمواجهة الصواريخ الباليستية الروسية، بينما تلقت في الوقت نفسه 1.2 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي لدعم احتياجاتها الدفاعية.وفي ظل تراجع وضوح الالتزام الأميركي طويل الأمد بالمساعدات المباشرة، أصبحت أوروبا أمام دور متزايد في تمويل وتسليح أوكرانيا. ويشير معهد كيل للاقتصاد العالمي إلى أن أوروبا رفعت مخصصات مساعداتها لأوكرانيا بصورة كبيرة خلال مايو ويونيو 2026، مدفوعة خصوصاً بقرض أوروبي بقيمة 90 مليار يورو مخصص لدعم احتياجات كييف المالية والدفاعية خلال عامي 2026 و2027.كما أعلنت المفوضية الأوروبية في سبتمبر صرف 3.3 مليار يورو لشراء معدات دفاعية لأوكرانيا، بينها الطائرات المسيّرة والصواريخ، ليصل ما صرفته المفوضية خلال 2026 إلى نحو 15 مليار يورو ضمن مسارات الدعم المختلفة. ويخصص برنامج القرض الأوروبي 60 مليار يورو للدفاع و30 ملياراً للموازنة خلال 2026 و2027.