آخر بصمات السير باسيل سبنس في الكويت
ننظر اليوم إلى صور مدينة الكويت القديمة بشيء من الحسرة. نرى السور والفرجان والأسواق، والبيوت، ونكتشف أن جزءاً كبيراً من ذاكرتنا العمرانية لم يبق منه سوى الصورة.
والمفارقة أننا، بعد أكثر من نصف قرن، لم نغير كثيراً طريقتنا في التعامل مع المبنى القديم: لا يزال الهدم أسرع الحلول، ولا تزال قيمة الأرض تُحسب بسهولة، بينما يصعب حساب قيمة الذاكرة التي تحملها.
وقصر العدل القديم مثال يستحق التوقف.
صممه السير باسيل سبنس، أحد أبرز معماريي اسكتلندا في القرن العشرين، وصاحب كاتدرائية كوفنتري الجديدة، وجاء تصميم القصر عام 1976، في السنة الأخيرة من حياة سبنس. وهو جزء من مرحلة كانت فيها الكويت مختبراً للعمارة الحديثة، استقطبت أسماء عالمية، مثل يورن أوتزون وكينزو تانغه وريما ورايلي بييتيلا.
لذلك فالحفاظ هنا ليس حنيناً.
في اسكتلندا، هناك عشرات الآلاف من المباني المسجلة للحماية، وامتلاك أحدها لا يمنح صاحبه حرية هدمه، أو تغيير طابعه كما يشاء. فالقيمة التاريخية هناك تتحول إلى قيد قانوني، لا مجرد توصية جميلة.
والمفارقة أن لجنة المحافظة على المعالم التاريخية والتطوير الحضري في المجلس البلدي أوصت عام 2022 بالإبقاء على قصر العدل، ودمجه في المشروع الجديد.
الفلك
تعليم
أخبار
وفي العام نفسه اعتبره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ذا "أهمية وطنية عالية للتراث الحديث". وبعد أربع سنوات، أُعلن أن الدراسات الفنية خلصت إلى أن الأساسات القائمة لا تتحمل الأحمال المطلوبة، وأن القرار هو الهدم، وإعادة البناء.
لا أناقش التقييم الهندسي؛ فهذا شأن المتخصصين. لكن التجربة تكشف الفارق بين الاعتراف بقيمة المبنى وبين وجود حماية مؤسسية مستقرة له.
والتطوير، في علم المدن، ليس مرادفاً للهدم. ففي أستراليا بُني مجمع "ملبورن سنترال" حول برج تاريخي من القرن التاسع عشر بدلاً من إزالته، وفي لندن تحولت محطة "باترسي" للطاقة من منشأة صناعية تاريخية إلى قلب مشروع حديث متعدد الاستخدامات، مع الاحتفاظ بهويتها المعمارية. وهذا ما يسمى "إعادة الاستخدام التكيفي": أن نعطي المبنى القديم وظيفة جديدة بدلاً من إزالته.
ولا تُقاس قدرة المدن على التحديث بما تهدمه من ماضيها، بل بقدرتها على استيعابه ضمن مستقبلها.
لا أحد يريد تحويل الكويت إلى متحف. لكن بين تجميد المدينة ومحو ذاكرتها عشرات الحلول الهندسية والتخطيطية.
مشكلتنا، ربما، ليست أننا لا نعرف قيمة التاريخ، بل أننا نعرفها متأخرين.
نهدم، ثم تمر السنوات، ثم تظهر صورة قديمة، فننظر إليها طويلاً ونقول: حسافة… ويا كثر ما صرنا نقول حسافة.