ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alseyassahكل الآراء بقلم د. ريم أحمد الهزيم

فلنغير ثقافة... 'هناك من ينظف المكان بعدي'

فلنغير ثقافة... 'هناك من ينظف المكان بعدي'

كلوروفيل

ذهبت إلى الحديقة العامة كعادتي لممارسة رياضة المشي، لكنني لم أجد المكان الذي دائما اذهب إليه لأتنفس، بل وجدت مشهداً مؤلماً مناديل وعلب بلاستيك، وعبوات مياه فارغة، وأعقاب سجائر، ومخلفات متناثرة في كل مكان.

كنت أقول في نفسي: كيف نطالب ببيئة صحية، ونترك المكان الذي نتنفس فيه ملوثاً بأيدينا؟لم أنتظر عامل نظافة، ولم أعتبر أن الأمر لا يعنيني. أحضرت من المنزل قفازات وكماماً وكيساً وملقطاً، وبدأت بجمع المخلفات، ثم نظفت أحد المقاعد، وعقمته، وضعت حقيبتي عليه، وبعد المشي جلست أتامل وأدون بمذكرتي. لم أفعل ذلك بحثاً عن بطولة أو تصفيق، إنما لأنني كنت أشعر بالأسى تجاه مكان عام، يفترض أن يكون متنفساً للناس.

ونشرت ما حدث على حسابي في منصة "إنستاغرام"، وكانت المفاجأة المتمثلة في حجم التفاعل الإيجابي والمتابعين الجدد. عندها أدركت أن الناس لا تزال تريد أن ترى المبادرة، وتبحث عن نموذج إيجابي، تستطيع أن تشارك فيه، وهناك الكثير الذي لا يرضى بهذا الفعل والحدث.

وبحكم تخصصي في علم النبات والبيئة، فإن مارأيته لا يمكن اختزاله في كلمة، لأن المخلفات التي نتركها في الحدائق، قد تصبح جزءاً من مشكلة بيئية وصحية على نطاق واسع.

أعقاب السجائر، على سبيل المثال، ليست مجرد منظر غير جميل؛ فهي مخلفات تحتوي على مواد كيماوية، ويمكن أن تبقى في البيئة فترة طويلة. أما العبوات والأكياس البلاستيك، فقد تتحول إلى مخلفات متراكمة تتفتت مع الوقت إلى أجزاء أصغر وتصبح جزءاً من مشكلة التلوث البلاستيكي، والتي يعاني منها الكل من نبات وحيوان وتربة، ومما لاشك فيه أن تراكم المخلفات غير العضوية، والمواد المتناثرة الضارة هي بيئة مناسبة للحشرات والآفات والقوارض، خصوصاً عندما تترافق مع بقايا الطعام والرطوبة، وحرارة الأجواء. كما أن تلوث البيئة المحيطة بالنباتات يضر بصحة التربة، وعلى جودة النظام البيئي في الحديقة.

الحديقة النظيفة ليست فقط أجمل للعين؛ إنها مكان أكثر ملاءمة للمشي والرياضة، والجلوس والاسترخاء، وتساهم في توفير بيئة حضرية أفضل للسكان. أما النباتات، فهي جزء أساسي من هذه المعادلة. الأشجار والشجيرات والمساحات الخضراء تساعد في تحسين البيئة، وتوفير الظل، وتساهم في تخفيف درجات الحرارة وبالتالي الحد من تفاقم ظاهرة تغير المناخ، وتدعم التنوع الحيوي داخل المدينة. لكن لا يمكن أن نطالب النباتات أن تمنحنا بيئة أفضل، بينما نعامل التربة، والمساحات المحيطة بها، كمكب للنفايات والمخلفات. فلنحافظ نحن كذلك على بيئتها.

أخبار اجتماعية

الوكالات حكومية

ومن زاوية أخرى فان هناك رسالة اجتماعية لا تقل أهمية، وهي عندما يرى طفل أو شاب شخصاً ينحني لالتقاط عبوة أو منديل من الأرض، فهو يتعلم بالفعل أكثر مما يتعلمه من عشرات الشعارات. نحن بحاجة إلى أن ننتقل من ثقافة "هناك من ينظف المكان بعدي" إلى ثقافة "بيئتي وأنا مسؤول عن نظافتها".

وأعتقد أن بإمكان المؤسسات المعنية بالحدائق والبيئة أن تحول هذه المبادرات الفردية إلى برامج مجتمعية، مثل أيام تطوعية لتنظيف الحدائق، وحملات توعوية مرتبطة بالمدارس والجامعات، ووضع حاويات، وفرز مناسب للمخلفات، وزيادة التوعية بأثر أعقاب السجائر والبلاستيك على البيئة، مع تشجيع مرتادي الحدائق على الإبلاغ عن المخلفات، أو السلوكيات التي تضر بالمكان. كما يمكن أن يكون للمتخصصين في النباتات والبيئة دور أكبر في توعية المجتمع؛ لأن حماية المساحات الخضراء لا تبدأ من التربة وحدها، بل تبدأ من سلوك الإنسان تجاهها.

في نهاية اليوم، لم أعد من الحديقة بممارسة رياضية فقط؛ بل عدت برسالة أؤمن أنها تستحق أن تصل إلى الجميع والحمد لله كان لي ما أردت، لأن لا دين ولا مذهب ولا أخلاق ولا تربية ولا ذوق عام يسمح أو يبرر أن نترك وراءنا مكاناً ملوثاً وبيئة مهيئة للأمراض.النظافة ليست مسؤولية عامل النظافة وحده، والحديقة ليست ملكاً لجهة حكومية فقط؛ إنها مساحة عامة نستخدمها جميعاً، وبالتالي فإن المحافظة عليها مسؤولية مجتمعية مشتركة.

ربما كان ما فعلته اليوم مجرد كيس من المخلفات وملقط وقفازات، لكنه أثبت لي شيئاً مهماً: المبادرة الصغيرة يمكن أن تصنع أثراً كبيراً عندما يراها الآخرون. فلنترك وراءنا في الحدائق شيئاً واحداً فقط: أثراً جميلاً، لا مخلفات.

من وجهة نظري المتواضعة أن البيئة النظيفة لا تبدأ بقرار كبير، إنما تبدأ أحيانًا من شخص واحد يرى الخطأ، ويقرر ألا يمر بجانبه. والى مستقبل زراعي جديد مثمر ان شاء الله.

دكتوراه في فلسفة النبات

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓