بين شرق تيماء وأديس أبابا
لم تعد قضية أهالي شرق تيماء، قضية 509 أسرى تواجه وحدها قرار الإخلاء، فقد تحولت خلال الأيام الماضية إلى قضية رأي عام، وارتفعت أصوات الكتاب، والمحامين، والشخصيات العامة، والمغردين مطالبة بالتريث، والبحث عن حل يحفظ لهذه الأسر استقرارها.
وهذا ما كنا نأمله منذ بدأنا الكتابة عن قضية "من باع بيته"؛ لا انتصاراً لرأي، ولا بحثاً عن خصومة مع الحكومة، إنما لأن وراء كل باب أسرة كويتية، وأباً وأماً وأبناءً وأحفاداً، وبينهم كبار سن، ظنوا أن رحلة البحث عن السكن انتهت.
وقد أسعدني ما كتبه الزميل محمد البغلي عن الأثر الاجتماعي للقضية، وما طرحه الإخوة الأفاضل صالح الملا، ومحمد المطر وعصام المذن، والمحامي، النائب السابق عبدالله الكندري، والمحامية القديرة كوثر الجوعان، وغيرهم من أسئلة جوهرية حول الإخلاء؛ فاتساع دائرة النقاش يساعد على إيصال الصورة كاملة إلى صاحب القرار، وقد يكشف جوانب لا تظهر في الأوراق، والتقارير الإدارية.
تغطية مجلس الأمة
روبوتيات
تنبيهات الأخبار العاجلة
وبعيداً عن العاطفة، ثمة سؤال قانوني لا ينبغي تجاوزه: هذه الأسر لم تستولِ على مساكن شرق تيماء، إنما استقرت فيها بموجب نظام أقرته الدولة، وعقود إيجار، أو انتفاع أبرمت مع المؤسسة العامة للرعاية السكنية، ودفعت الإيجارات، ورتبت حياتها والتزاماتها المالية، بناءً على وضع قانوني قائم.
وهنا تبرز مسألة المرسوم بقانون رقم 83 لسنة 2025 الذي ألغى المادة "29 مكررًا". فإذا كان الإلغاء قد أنهى أساس منح رعاية جديدة لهذه الفئة مستقبلاً، فهل يمتد أثره تلقائياً إلى مراكز قانونية نشأت واكتملت وعقود أبرمت في ظل القانون السابق؟
الأصل أن التشريع الجديد يسري من تاريخ نفاذه، أما تطبيقه على أوضاع سابقة فيحتاج إلى سند قانوني، ولذلك فالمسألة - على أقل تقدير- تستحق دراسة قانونية جادة، خصوصاً أن المادة الثامنة من الدستور تلزم الدولة بصون دعامات المجتمع، وكفالة الأمن والطمأنينة، وتكافؤ الفرص، والمادة التاسعة تقرر أن الأسرة أساس المجتمع، وأن القانون يحفظ كيانها ويقوي أواصرها.
ولابد من حل يوازن بين تطبيق القانون وحماية الاستقرار الأسري، ولذلك نكرر: أوقفوا الإخلاء موقتاً، وشكّلوا لجنة قانونية مستقلة تراجع العقود والمراكز القانونية، وافتحوا باب التمليك لمن يرغب، وفق آلية تحفظ حق الدولة، وإذا كانت البيوت ستبقى للإيجار، فسكانها الحاليون أولى بها من إخراجهم، وتأجيرها لغيرهم.
إن اتساع دائرة المتعاطفين اليوم ليس ضغطاً على الحكومة، بل فرصة لتصحيح المسار قبل الاول من سبتمبر، والخروج بحل يُحسب لها، لا عليها.
ومن شرق تيماء إلى أديس أبابا، ننتقل إلى قضية تختلف في تفاصيلها، لكنها تلتقي معها في جوهر واحد: حاجة الإنسان إلى الطمأنينة، واحترام حقوقه، وأن يشعر أن القانون يحمي استقراره.
فقد اجتمع نحو 4000 من المسلمين في العاصمة الإثيوبية لمناقشة أوضاعهم، ومنها المطالبة بمراعاة حقهم في عطلة الجمعة، والسماح للنساء والفتيات المسلمات بارتداء الحجاب والنقاب، في الجامعات والمؤسسات التعليمية، خصوصاً أن الدستور الإثيوبي يكفل حرية الدين، وممارسته وإظهاره، وينص على الفصل بين الدولة والدين، وعدم وجود دين رسمي للدولة.
وفي يناير 2025 مُنعت 44 طالبة مسلمة في جامعة "ديلا" من دخول الحرم بسبب النقاب، قبل التوصل إلى اتفاق سمح لهن بالعودة إلى الدراسة به، كما شهدت أكسوم احتجاجات بشأن الحجاب في بعض المدارس، وأثار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبي القضية مع السلطات التعليمية، أما الجمعة فليست عطلة أسبوعية عامة، ومن المشروع أن يطالب المسلمون هناك بمراعاة يوم عبادتهم الأسبوعي.
وهنا يأتي دور الحكومات، والمؤسسات، ورجال الأعمال العرب والمسلمين، لا بالتدخل في شؤون إثيوبيا، بل بالاستثمار الإيجابي في التعليم والاقتصاد؛ بإنشاء جامعات وكليات، ومعاهد ومدارس ومؤسسات تمويل تخدم الإثيوبيين جميعاً، وتحترم خصوصياتهم الدينية.
أخبار السياسة المحلية
أخبار فيديو
أخبار عالمية
ولدينا نموذج يستحق الدراسة؛ فقد انطلق "بنك زمزم" عام 2021 كأول بنك إثيوبي متكامل، يعمل من دون فوائد وفق مبادئ الشريعة، بمساهمة واسعة شارك فيها عند تأسيسه نحو 11,200 مساهم، فلماذا لا تتكرر التجربة في التعليم عبر استثمارات إثيوبية، وعربية وإسلامية مشتركة، توفر تعليماً جيداً وبيئة تراعي الحقوق الدينية؟
فحماية الإنسان تبدأ من بيته، لكنها لا تنتهي عند بابه؛ فالسكن والتعليم وحرية العبادة والاستقرار حقوق تصنع مجتمعات أكثر أمناً وعدلاً.