مراجعة المشهد الروسي - الأوكراني مجدداً
زيلينسكي رئيس أوروبيّ، وحليف ستراتيجي مهم لأصدقائه بالقارة العجوز؛ فهو خط الدفاع الأوَّل عن عرينهم، أمام الدب الروسي المُستذئب على حدوده، ومن خلفه بولندا ورومانيا، اللتين ستُصبحان لقمةً سائغةً بين أنياب روسيا، إذا ما خارت قواه أو ضعفت عزيمته، إذ إن الولايات المتحدة كالأوكسجين بالنسبة لكييف، مهما بلغت قوة أوروبا أو قدَّمت من وعود لدعم أوكرانيا، فهي لا تملك ما يُمكِّنها من أن تحل بديلاً عن واشنطن في هذا الدور.
ومن الناحية الأخرى، فالعقل يقول إنه على "أميركا ترامب" الدفاع بكلِّ ما تملك من وسائل البطش عن أوكرانيا، ضد أىِّ نصرٍ روسيٍّ يلوح في الأفق، بعد التغييرات الأخيرة، فلا يوجد رفاهية الاختيار لديها في هذا الشأن، إلا إذا كان ترامب هو "غورباتشوف أميركا" الجديد، الذي جاء بدعم مخابرات روسيَّة لتدمير صاحبة الاقتصاد الأكبر عالمياً، وهذا ما أحسبه بعيداً عن الواقع في ظل قوة المؤسسات التي تتمتع بها سيدة العالم.
الأخبار
أخبار السياسة المحلية
تحليل سياسي
قطعاً إذا ما ولَّى ترامب وجهه عن كييف، فلن تحتاج موسكو إلا أياماً معدودة، لتحقيق نصرٍ مؤزرٍ تُسيطر من خلاله على المناطق الغنيَّة بالمعادن النادرة، والتي تزيد على 50 نوعاً، تصفها واشنطن بأنها بالغة الأهميَّة بقيمة تتجاوز 10 تريليونات دولار، منها الزركونيوم، والكادميوم، والليثيوم المُستخدمة في صناعات ستراتيجيَّة مهمة، مثل المركبات الفضائيَّة، والمحركات النفَّاثة، والمفاعلات النوويَّة.
علماً أن الأوروبيين أكثر من تضرَّروا، اقتصادياً، من رضوخهم لقرار الولايات المتحدة بفرض عقوباتٍ على موسكو، ووقف الاعتماد على الغاز الروسي زهيد الثمن، واستبداله بالأميركي الأغلى سعراً.وتبقى الأيام المُقبلة مُكتظة بالمفاجآت، وتحمل في طياتها تفاصيل كثيرة تُحدِّد معالم السياسة الدوليَّة، وشكل الصراعات المستقبليَّة وميزان القوة فيها.
دعونا ننتظر لنعرف هل تكون دول الخليج، وتوظيف ديبلوماسيتها بدايةً لتهدئة حقيقيَّة يحتاجها العالم لالتقاط الأنفاس؟ بعد تقويض إيران وأهدافها الجيوسياسية، وإحداث التغيير النوعي من بعد ذلك، فهل تتخلَّى أميركا عن حلفائها الأوروبيين لمراضاة الروس، وكيفية تعاطي الأوروبيين مع خسائرهم من هذا الصراع، وما يُمكن أن تفعله حكوماتهم لحفظ ماء الوجه الذي عكَّرته واشنطن، وهل تستأنف دول القارة الصفراء علاقتها مع موسكو مرَّة أخرى، أيضاً الثمن الذي سوف يدفعه بوتين حتى يُوقف دائرة الحرب التي تستنزف جيشه؟
وما موقع أوكرانيا من تلك التسوية، التي تتم في أجواء العرب الساخنة بعيدةً عن صقيع أوروبا، وماذا يجني العالم من هذه المصالحة إن تمت؟
الكثير من الأسئلة المفتوحة والإجابات الصادمة ينتظرها الشارعان الغربي والعربي في ظلّ وجود قائد "جديد–قديم" للبيت الأبيض، يُدير المشهد بعقليّة رجل أعمال، يسعى للربح السّريع، دون اكتراث كافٍ بالخطط المستقبليّة، أو المخاطر الستراتيجية، أصبح كلّ شيء ممكناً، ولم يعد في قاموس المرحلة ما يُسمّى مستحيلاً.
كاتب وباحث سعودي