سمية بعلبكي لـ «الراي»: «يعني ارتحت»... خشبة خلاص أتعلق بها لأقول إنني ما زلت موجودة

تعود الفنانة اللبنانية سمية بعلبكي، إلى الواجهة الغنائية بأغنيتها الجديدة «يعني ارتحت»، في عمل باللهجة اللبنانية يجمع بين الطرب وروح الأغنية الشعبية، من كلمات منير بوعساف وألحان وتوزيع بلال الزين، فيما تولّى عادل سرحان إخراج الفيديو كليب.
وتحدثت بعلبكي، في حوار مع «الراي» عن العمل الجديد ومشاريعها اللاحقة، كما انتقدت الانحدار الفني على الساحة، في ظل توالي الحروب والأزمات التي تعاني منها الشعوب كون الفن مرآة المجتمع، وإن كانت تعتبر أن الفن الجيد يبقى له فنانوه وجمهوره. كذلك، تطرقت إلى تكريمها ونظرتها إليه في هذا الحوار:
• كيف تتحدثين عن آخر أعمالك «يعني ارتحت» بعد فترة من الغياب؟
- الأغنية مسجلة منذ أكثر من ستة أعوام، ومنذ تلك الفترة تتوالى المشكلات والحروب والمصائب على لبنان. ولذلك، كنت أترقب الظرف المناسب لإنهاء العمل وإطلاقه. وهذا إلى جانب مسألة الإنتاج، لأنني أعمل من دون دعم شركة إنتاج، ما يجعل الأمر أكثر صعوبة. عندما انتهينا من تسجيل الأغنية وقررنا تصويره، اندلعت حرب عام 2024 ثم تصاعدت، وكان من المستحيل إطلاقها، لأنني كنت أشعر بأنني مصابة بهذه الحرب على المستوى الشخصي. وأنا مؤمنة جداً بالعمل وأحبه وهو عزيز عليّ، وكنت أبحث عن أفضل ظرف لإطلاقه، إلى أن شعرت في مرحلة معينة بأن الأغنية يمكن أن تكون بمثابة خشبة خلاص أتعلق بها لأقول إنني ما زلت موجودة، وإنني ما زلت حاضرة فنياً وإنهم لن يستطيعوا إقصائي، خصوصاً أنني كنت أشعر نفسياً أنني تحت الركام، بعدما تضررت عائلتي وبيتي وبلدي وجنوبي، ولذلك قررت إطلاقها. لا يمكن أن يبقى الإنسان في حالة انتظار، لأن الحروب في بلادنا ومنطقتنا لم تتوقف تاريخياً إلا لفترات قصيرة. وإذا عدنا إلى التاريخ وقرأنا عن حروبنا المتتالية، سنكتشف أن الذين صنعوا الفن والشعر والأدب تمسكوا بالوجود الثقافي، وكانوا يعملون أثناء الحرب، لأن الفن بالنسبة إليهم كان خشبة الخلاص، فقلت لنفسي إن الحفلات قد تكون صعبة اليوم، وحضوري أصعب، لكن يمكنني على الأقل أن أقدم شيئاً جديداً وأن أقول إنني موجودة، وأن أطلق أعمالي لعلها تكون فسحة أمل.
- أحب أعمال بلال الزين، وربما تأخر تعاوننا قبل أن نلتقي في هذه الأغنية، هو يعيش خارج لبنان، وكنت أحب أن أقدم معه أكثر من عمل، لأنني أشعر بوجود رابط بيننا، لأن طبيعة ألحانه قريبة مني. فهو من القلائل في لبنان الذين يقدمون أغنية طربية معاصرة، لا يقلد القديم ويحمل روحاً شرقية عميقة، وهذا ما أحبه في أعماله، كما أن كلمات الأغنية لمنير بوعساف، ولا ينبغي الاستهانة بقدرته على كتابة أعمال جميلة. الأغنية ليست عاطفية فقط، بل تحمل قصة امرأة معنفة، ليس بالضرورة من الرجل الذي تحبه أو زوجها، تقف في وجه الانكسار والظلم، ولكن ليس بطريقة عنيفة، بل برقي، والكليب يضيء في شكل بسيط على هذه الناحية، وهذه الحالات موجودة في مجتمعنا، وتبرز في الحروب تحديداً، وتتعرض المرأة لظروف صعبة، وقد تصبح هي الحلقة الأضعف. ولقد لاحظت أن مشاهدات الكليب بين النساء أعلى بكثير من الرجال، لأنه يبرز تحدي المرأة الذي ينتج عن الحب، أي التحدي الجميل.
• الأغنية جاهزة منذ ستة أعوام، ألم تشعري بأنها تحتاج إلى بعض التعديل قبل طرحها؟
- العمل الجيد والمتقن لناحية التوزيع والتسجيل الموسيقي لا تنتهي صلاحيته مع الزمن ولا يخضع بالضرورة للموضة. الأغنية جميلة جداً بالنسبة إليّ، ولم أشعر بأنني أريد تغييرها، بل أنا أطلقتها عن قناعة، حتى لو كان هناك توجه يقول إنه من الأفضل أن نمنحها حلة جديدة. وربما هناك نوع من الموسيقى يحتاج إلى حلة جديدة، لكن بعض الأعمال تبقى جميلة كما هي. مثلاً، في الأغاني التي وزعها الرحابنة، رغم وجود موزعين وتقنيات وأفكار جديدة، فإنها أجمل من أي عمل يمكن أن يقدم، ولا يستطيع أحد أن يصنع أجمل منها. قد تتغير مع الزمن الموضة في التصوير والملابس والشعر والماكياج، لكن في الموسيقى عندما يكون العمل منفذاً في شكل جيد، فهو لا يحتاج إلى تعديل. وهناك أغانٍ قدمتها منذ زمن ولم تنتشر، وأفكر في إعادة تسجيلها، لأن الزمن تغير، والمزاج تغير، وموضة الموسيقى تغيرت. وهذا ليس خطأ، لكن هناك أعمالاً تبقى جميلة حتى لو مضى عليها وقت طويل.
- هناك أغانٍ لم أطلقها أصلاً وأغانٍ أخرى لم تنل حقها، لأنني تواجدت في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي موجودة. وإعادة تقديم الأغنية تجربة حدثت كثيراً مع كبار المطربين والمطربات المخضرمين وليست جديدة.
• حتى جورج وسوف أعاد إطلاق أغنية من ألحان صلاح الشرنوبي مضى عليها نحو ثلاثة عشر عاماً...
- نعم، وهي من أكثر الأعمال التي حققت نجاحاً كبيراً. وأنا أعرف هذه القصة من المنتج وهو أخبرني عنها.
- أبداً، عندما تسمع أغنيتي في السيارة والأغاني الأخرى التي تبث قبلها، ولا أقصد الأعمال الجديدة فقط، بل تلك الموجودة على الساحة عموماً، أشعر بأن لأغنيتي نكهة مختلفة. ومع أنه يوجد بعض التقارب بينها وبين بعض الأعمال، لكنها بعيدة جداً عن أعمال أخرى. هذه خصوصيتي، وأنا أقدم نفسي وصوتي كما يعرفني الناس، وكما أحب أن أقدم نفسي، ولكل فنان تجربته والطريقة التي تناسبه، وما دامت أغنيتي تُسمع وتحظى بمحبة الناس وتحقق صدى جيداً، فهذا يعني أنها ليست غريبة، لأن الغربة الحقيقية هي ألا تحظى الأغنية بصدى أو بإعجاب الناس وقبولهم. عندما يقول البعض عنها «هذا هو الزمن الجميل»، فهذا يعني أنها تعيد إليهم ذلك الزمن، وأنها وصلت إليهم، وبأنني قدمت عملاً نحن متشوقون ومتعطشون إليه لا يوجد مثله كثيراً، وهذا ما ألاحظه فعلاً. في ظل الانحدارات والحروب والوضع الاجتماعي المنهار عالمياً، الفن العظيم لا يتوافر بسهولة، لأن الفنانين يعملون في ظروف صعبة على المستويات كافة، ونحن لسنا في حال جيدة، ونعاني فنياً أيضاً، بل نحن نمر في أسوأ الظروف بسبب غياب المعايير الواضحة للجمال والفوضى العارمة.
- عندما تكون المجتمعات مدمرة وتعاني من حروب وأزمات اجتماعية واقتصادية وفيها جريمة وسرقة وعوز وانحطاط أخلاقي، وهيمنة لوسائل التواصل الاجتماعي، وعندما نسمع ونشاهد لغة عنصرية وشتائم واستسهال في الإساءة، لا يمكن أن نتوقع الكثير. إذا كانت أكبر دول العالم التي تمسك بزمام الأمور في أسفل سلم القيم الإنسانية والأخلاقية، فماذا يمكن أن نتوقع من المجتمعات. الفن مرآة المجتمع، فماذا نتوقع أن يقدم فنياً، وأي فن قادر على الاستمرار! الشعوب التي تعيش أزمات تبحث عن الأسهل ولا تفكر ولا تسمع، بينما في أوقات الرخاء والبحبوحة هي تشاهد أجمل الفنون وأفضل الإنتاجات، وتحضر أجمل المعارض وتزور المكاتب والمتاحف. اليوم كل العالم مأزوم ما عدا بعض الاستثناءات، ومع ذلك، قد يبرز شخص هنا وآخر هناك، لأن الحياة تستمر. وإذا قرأنا تاريخ الحروب الماضية، خصوصاً الحرب العالمية، نعرف أن الفن والفنانين استمروا بطريقة أو بأخرى. عندما يسقط المجتمع، يسقط الفن أيضاً ومن يحافظ على القيمة الفنية يشعر بأنه وحيد في هذه الساحة، وكأنه غريب، ولكن يبقى هناك أشخاص يقدرون الفن، وإن كانت الموجة السائدة هي الاستسهال وتقديم الفن السطحي، والأسوأ من ذلك أننا لا نسمع اليوم فناً يشبه الحالة الاجتماعية التي نعيشها، بل الشتائم والكلام السوقي والخادش والمهين، وهذا أمر غير مقبول أيضاً، وواجبنا كفنانين أن نقدم أنفسنا بالشكل الذي يرضينا، وأنا أقدم نفسي أولاً من خلال أعمالي، لأنني عندما أرضى عنها فإني أرضي نفسي على الأقل. وبالتأكيد هناك جمهور سيجد فيها ما يرضيه حتى لو لم يكن كبيراً، وهو ما زال يحافظ على ذائقته ويبحث عن الأغنية الجميلة والكلمة الجميلة واللحن الجميل المبني في شكل صحيح والموزع بإتقان. ويبقى لكل فنان ولكل تجربة جمهورها وإذا كان هناك جمهور عريض لشرائح تشبه المجتمع وأزماته، يوجد أيضاً النخب و«السميعة» الذين يحبون الموسيقى ويفهمون فيها، وأنا أتوجه إليهم بالتأكيد.
• يحرص بعض الفنانين على طرح أغنيات ليست بالمستوى المطلوب، ولكن خلال فترات متقاربة، بحثاً عن الاستمرار والحضور وإحياء الحفلات. فكيف هي معادلتك الفنية؟
- الحفلات عرض وطلب وموضوع مختلف. بالتأكيد، أقدم الأغاني التي ترضي فكرتي عن الفن، ومن بعد كل هذا العمر، وبعد أن غنيت التراث والطرب وأحبني الناس فيهما، يحق لي أن أقدم تجربتي الخاصة وأن أطرح أغنية طربية شعبية. بالتأكيد، أسعى إلى أن تكون لدي حفلات، لكنني أفعل ذلك بمعزل عن فكرة أنني سأقدم أغنية جديدة اليوم ثم أحيي حفلاً في الغد، لأن الحفلات موضوع منفصل عن الإنتاج، وأحياناً أطرح أعمالاً لا تؤمّن الحفلات، لكنني أحب أن أقدمها. على سبيل المثال، قدمت «عينك وطني» في عمل أوركسترالي مع خمسين عازفاً وأوركسترا عالمية. هذا ليس عملاً شعبياً يجعل الناس يطلبونه للحفلات، لكنني قدمته إرضاءً لنفسي ولتاريخي وللموسيقى.
- لا، ليست مختلفة أبداً، بل هي نفسها. وبالتأكيد أحب أن أقدم فناً وأحيي الحفلات وألتقي الجمهور، لكن لدي أولويات، وأضع في الدرجة الأولى العمل الذي أعتقد شخصياً أنه سيبقى في تاريخي ويتذكره الناس بعد موتي. أعرف أن بعض هذه الأعمال لا تحقق أرباحاً كبيرة بالمعنى الاقتصادي، لكنني مغامرة من هذه الناحية وأحب أن أقدم أعمالاً خارج الصندوق.
• تم تكريمك أخيراً في مهرجان «بياف»، فماذا أضاف إليك هذا التكريم؟
- هذا هو التكريم الثاني لي. خلال الحرب الأولى، تم تكريمي في مهرجان «موركس دور»، وكان منزلنا وقريتنا قد تعرضا للتفجير قبل ذلك بنحو شهر تقريباً، وكنت في حالة نفسية صعبة جداً. فجاء هذا التكريم ليضيء شيئاً على الحزن والفقد والخسارة، وشعرت حينها بأنه كان بمثابة لمحة أمل بالنسبة إليّ شخصياً، لأنني كنت بحاجة إلى أن أشعر، بعد هذه الخسارة التي طالت عائلتي وبيتي وبيت جدي وأقاربي، بأن هناك شيئاً إيجابياً. ثم جاء تكريم «بياف» والجنوب كله يباد، ويعرف عني حبي للبنان ككل اللبنانيين، وتعلقي ببلدتي وجنوبي وأرضي، وشعرت بأن هذا التكريم جاء في وقت كنت بحاجة فيه إلى تقديم شيء لهذه الأرض الموجوعة. ومع احترامي لكل التقديرات والتكريمات، فهي كلها جميلة. وإذا حصلت أكون سعيدة، وإذا لم تحصل فلن يكون لذلك تأثير كبير فيّ. من الجميل جداً أن يكرم الفنان بعد مسيرته الفنية، لكنني أرى أن أعظم تكريم للفنان هو تاريخه الذي يبقى، ومحبة الناس مع احترامي لكل الجوائز. وربما جاء التكريمان في وقت كان خطابي الوحيد: أرضي وبلدتي وشجرتي وسمائي. كنت بحاجة إلى أن أشعر بأنني أريد أن أقدم شيئاً لهذه الأرض الموجوعة. كنت أشعر فعلاً بأن أرضي موجوعة تماماً كما الوجع في قلبي.
- هناك أغانٍ جاهزة، ولكنني سأمنح الأغنية الجديدة فترة قصيرة كي تنال حقها ويسمعها الناس. وبالنسبة إلى الإصدارات الأخرى، فهناك أغنية شعبية أخرى ستصدر خلال شهرين أو ثلاثة أشهر، لأنها جاهزة تقريباً، فضلاً عن مجموعة من الأغاني الخليجية التي سبق أن أصدرتها وكانت بالتعاون مع ملحنين سعوديين أصدقاء لي وهي كانت تجربة جميلة جداً أحبها وأعتز بها، وأريد أن يسمعها الجمهور اللبناني. ومع بداية السنة الجديدة، سأطرح «امرأة شرقية»، التي غنيتها في مهرجان بعلبك فقط، وهي قصيدة لنزار قباني من ألحان إحسان المنذر، وسوف نسجلها مع أوركسترا. كما قدمت قبل بضعة أشهر «سهرة طويلة» من ألحان نشأت سلمان وكلمات ليلى منصور، وهي أغنية إيقاعية شبابية مختلفة عن كل الأعمال التي يعرفني الناس من خلالها، لكن الحرب أثرت في وصولها إلى الجمهور.
- إذا تحسن الوضع، فبالتأكيد ستكون هناك حفلات لأنني اشتقت إلى المسرح. ونحن نبدأ بالتحضير لكي يكون هناك لقاء قريب مع الجمهور، لأنني اشتقت إليه، لكننا ننتظر الفرصة التي يكون فيها الوضع قد أصبح أفضل.
إطلاق الأغنية وحوار صحفي