سلام لبزشكيان: لبنان لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية

عيْناً على واشنطن وعيْناً أخرى على نيويورك. هكذا بدتْ بيروت، وهي ترصد القمةَ البالغة الأهمية التي جَمَعَتْ الرئيسَ الأميركي دونالد ترامب ونظيرَه الصيني شي جينبينغ في البيت الأبيض، وكلمةَ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط التعاطي معهما على أنهما مؤشّران لِما قد يكون على صعيد الواقع الشديد التأزمِ في المنطقة والذي يقف لبنان مُنْكَشفاً بالكامل عليه.
وتكمن نقطةُ التقاطع في هذا الرصد في تأثيرِ بكين على إيران وتشكيلها «شريان الحياة» لاقتصادها المحاصَر، وإمساك تل أبيب بـ«لوحة التحكّم» العسكري بجبهة لبنان الذي يَخشى أن يدفع ثمن التفاوض بالنار أو أن يغدو الحلقةَ الأضعف في أي تسويات إقليمية.
وإذ يصعب تَوَقُّع انعكاساتٍ كبيرة وسريعة لقمةِ البيت الأبيض على السباق المحموم على الجبهة الإيرانية بين الدبلوماسيةِ المدفوعة بحصارٍ يزداد إطباقاً وبين تصاعُد التوتر في ميدانٍ تعمّق طهران، الهاربة الى الأمام، الإشارات الى أنه بات يمتدّ من مضيق هرمز الى باب المندب، فإنّ رَفْعَ نتنياهو السقف تجاه «الجمهورية الإسلامية» وأذرعها لا يتطلّب وقتاً لقياسِ مَفاعيله الميدانية.
من هنا يكثّف لبنان مَساعيه لتوفير الحدّ الأدنى من «مظلة الأمان» في لحظة شديدة الحراجة في المنطقة وعلى جبهته، وهو الذي يخوض معركةً دبلوماسية مزدوجة: الأولى بوجه طهران لكفّ يدها عن ملفه السياسي، والثانية بوجه إسرائيل لحضّها على تسهيل المضيّ بتنفيذ الاتفاق الإطار الثلاثي الموقّع بين البلدين ومعهما الولايات المتحدة، بما يساعد الدولة في إحراج الحزب وتعزيز صدقية طاولة التفاوض وموقعها عليها.
وفي السياق، تأتي لقاءات رئيس الحكومة نواف سلام، في مانهاتن، حيث يلقي اليوم الجمعة، كلمة لبنان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وكان الأبرز الخميس، على أجندة رئيس الحكومة، لقاؤه المفاجئ مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بحضور وزيري الخارجية يوسف رجي وعباس عراقجي، في مبنى الأمم المتحدة، وهو الاجتماع الذي أشارت وسائل إعلام لبنانية الى أنّ الوفد الإيراني طلب عقده، فوافق سلام.
وأكد سلام لبزشكيان أن لبنان لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية، ودعا إلى علاقة بين الدولتين تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل.
وشدّد على أن لبنان دفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره واقتصاده، مؤكداً أنه لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل.
وقال إن «العلاقة بين لبنان وإيران تاريخية على مستوى البلدين والشعبين، وإن لبنان يتطلع إلى فتح صفحة جديدة تقوم على علاقة من دولة إلى دولة، أساسها احترام السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة».
ودعا إيران إلى ترشيح سفير جديد لها في لبنان، متمنياً لها ولشعبها «كل الخير والأمن والاستقرار والازدهار والنمو».
وأكد سلام أن «أولوية لبنان هي انسحاب إسرائيل الكامل من أراضيه ووقف اعتداءاتها، إلى جانب بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها».
واكتسب اللقاء أهميته لأنه الأول على هذا المستوى بين مسؤوليْن لبناني وإيراني، منذ أن دعتْ بيروت بلسان الرئيس جوزاف عون، طهران إلى وَقْفِ استخدام لبنان ورقة على طاولة مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، وتكرار الحكومة اللبنانية مضيّها في قرار تفكيك ترسانة «حزب الله»، وإن من دون جدول زمني بات موصولاً عملياً بإطارِ «المناطق التجريبية»، وفق منطوق الاتفاق الإطار، أي الانسحاب التدريجي الإسرائيلي من الجنوب مقابل السحب الموازي لسلاح الحزب.
كما أن جوهرَ إعلان لبنان تَمَسُّكه باستعادةِ الدولة قرار الحرب والسلم موجّه واقعياً إلى طهران، عبر «حزب الله»، التي لم يَعُد خافياً أنها تدير جبهة الجنوب، وتحديداً «ستاتيكو» ترْك الحزب يتراجع أمام إسرائيل وتجرُّع سقوط المزيد من البلدات والنقاط الحاكِمة في يدها، كما مرتفعات علي الطاهر، بما يَنسجم مع موجباتِ جبهتها والاحتفاظ بما بقي من ترسانة الحزب «احتياطياً» لأي جولةِ «يا قاتل يا مقتول» مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكان سلام، الذي ترأس الاجتماعَ رفيع المستوى تحت عنوان «ما بعد الأزمات» الذي عُقد بدعوة مشتركة من لبنان والاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أجرى سلسلة لقاءات بارزة عربية وخليجية ودولية، بينها مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والرئيس السوري أحمد الشرع، ووزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي في دولة الإمارات ريم الهاشمي.
وأوضح سلام، أنه تم التركيز على «تكثيف الجهود لخفض التصعيد وتجنيب لبنان والمنطقة المزيد من المواجهات»، و«توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري والربط الإقليمي، ولا سيما في مجالات الطاقة والكهرباء والنقل والبنى التحتية»، و«مواصلة عملنا في لبنان على الإصلاح وتعزيز مؤسسات الدولة، وعلى بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيدها وحدها».
وشدد على أهمية «العمل من الآن على التحضير لمرحلة ما بعد اليونيفيل وتفادي أي فراغ في الجنوب، من خلال صيغة تؤمن استمرار وجود دولي يقوم بمهام المراقبة والإفادة والتواصل، تحت مظلة قرار صادر عن مجلس الأمن»، وقال «أعلم أن هناك أفكاراً متداولة حول قوة أوروبية، فرنسية أو إيطالية أو غيرها، لكن موقفنا واضح: نريد لأي قوة دولية في الجنوب أن تعمل تحت مظلة قرار عن مجلس الأمن».
ويُنتظر أن يشكل هذا الملف محوراً رئيسياً في لقاء سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في واشنطن التي سينتقل إليها رئيس الوزراء اللبناني بعد إلقائه كلمته في نيويورك، إلى جانب ملف التفاوض والجولة الثامنة المرتقبة الشهر المقبل في روما.
ويُنتظر أن يتبلور بعد لقاء سلام - روبيو أفق المفاوضات المباشرة وآلية التحقق، وسط ترقُّب موقف واشنطن من طرح لبنان «وجوداً دولياً (ما بعد اليونيفيل) تحت مظلة قرار صادر عن مجلس الأمن».
أعلنت المفوضية الأوروبية، «تقديم دعم مالي بقيمة 505 ملايين يورو للبنان لعامي 2026 و2027، وهو الجزء الثاني من حزمة الدعم البالغة مليار يورو التي أعلنت عنها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال زيارتها لبيروت في مايو 2024».
وسيغطي التمويل الجديد «ثلاثة مجالات رئيسية وسيدعم لبنان في المضي قدماً في الإصلاحات الرئيسية، وتقوية تعافيه الاقتصادي، وتعزيز الأمن وإدارة الحدود، والحفاظ على الخدمات الأساسية للفئات الأكثر ضعفاً. كما سيدعم لبنان في مواجهة عواقب عدم الاستقرار والنزاع والنزوح في المنطقة».