ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiمحليات بقلم السفير نغيون دوك ثانغ *

من الصداقة التقليدية إلى الشراكة الإستراتيجية

من الصداقة التقليدية إلى الشراكة الإستراتيجية

تحتفل فيتنام والكويت في عام 2026، بالذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين (1976 ـ 2026). وعلى مدى خمسة عقود، بُنيت هذه العلاقات على أسس الصداقة والتضامن والثقة السياسية، وتوسعت تدريجيا من إطار الصداقة التقليدية إلى تعاون ملموس وشامل في مجموعة واسعة من المجالات. وقد شكلت الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية خلال الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس الوزراء الفيتنامي إلى الكويت في نوفمبر 2025، محطة جديدة فتحت فصلاً جديداً في مسيرة العلاقات، وأرست إطاراً أقوى وزخماً متجدداً لتعميق التعاون وتوسيعه. وقد أكدت الكويت وفيتنام رسمياً أن هذه الشراكة تستهدف توسيع مجالات التعاون وتعزيز المصالح المشتركة، بما يخدم تطلعات شعبي البلدين.

لقد صمدت الصداقة بين فيتنام والكويت أمام اختبار الزمن، وترسخت بفضل التضامن والدعم الذي أبداه الشعب الكويتي خلال نضال فيتنام من أجل الاستقلال الوطني وإعادة توحيد البلاد. ففي الماضي، خرج العديد من الكويتيين إلى الشوارع للتعبير عن رفضهم للحرب في فيتنام، كما عبّرت وسائل الإعلام الكويتية بصوت واضح عن دعمها وإعجابها بإرادة الشعب الفيتنامي وقدرته على الصمود. وفي المقابل، وقفت فيتنام بكل قوة إلى جانب جهود الكويت لاستعادة سيادتها عقب الغزو العراقي. وقد شكلت هذه المواقف المتبادلة من التضامن أساساً مهماً للصداقة الراسخة بين الشعبين.

وفي يناير 1976، أصبحت الكويت أول دولة في منطقة الخليج تقيم علاقات دبلوماسية مع فيتنام. وخلال مرحلة إعادة الإعمار التي أعقبت الحرب، قدمت الكويت مساعدات عملية إلى فيتنام من خلال الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، وأسهمت في تنفيذ عدد من مشاريع النقل والري والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مناطق مختلفة من البلاد. كما وقفت الكويت إلى جانب فيتنام خلال جائحة «كوفيد ـ 19»، وقدمت في الوقت المناسب 600 ألف جرعة من اللقاحات، في دعم عكس عمق الصداقة والتضامن بين البلدين. وقد أشاد رئيس الوزراء الفيتنامي خلال زيارته للكويت بالدور التنموي للكويت، وبكونها من أبرز شركاء فيتنام في منطقة الخليج في مجال المساعدات الإنمائية.

وفي السنوات الأخيرة، وفي مواجهة التحديات المشتركة في المنطقة والعالم، واصلت فيتنام والكويت تبادل وجهات النظر وتنسيق المواقف ودعم بعضهما بعضاً في مختلف المحافل الدولية. وشمل ذلك قضايا الحفاظ على بيئة يسودها السلام والاستقرار والتنمية، والمشاركة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، واحترام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وتعزيز حل الدولتين للشعب الفلسطيني، وتقوية التعاون بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية ورابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان»، فضلاً عن توسيع التبادل الثقافي بين الدول والمناطق.

وأصبحت العلاقات الاقتصادية أحد الأعمدة الأساسية للعلاقات الكويتية ـ الفيتنامية. وتعد الكويت، حتى الآن، أكبر مستثمر من منطقة الشرق الأوسط في فيتنام، باستثمارات إجمالية تزيد على 3.5 مليار دولار، يتركز الجزء الأكبر منها في مشروع مصفاة ومجمع نغي سون للبتروكيماويات في إقليم ثانه هوا. ولا يمثل هذا المشروع مجرد استثمار كبير، بل يعد نموذجاً واضحاً لتكامل اقتصادَي البلدين والمصالح المشتركة التي تقوم عليها شراكتنا.

كما تعد الكويت أكبر شريك تجاري لفيتنام في منطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا، وقد تراوحت قيمة التجارة الثنائية بين 7 و7.5 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية، بما يعكس النمو المتزايد في حجم وعمق العلاقات التجارية. وتستورد فيتنام من الكويت بصورة رئيسية النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والمدخلات الصناعية، في حين تزداد المنتجات الفيتنامية حضوراً في السوق الكويتية، ومنها الإلكترونيات والهواتف المحمولة والمنتجات الزراعية والبحرية والمنسوجات والملابس والمنتجات الخشبية والسلع الاستهلاكية.

ووفقاً لصندوق النقد الدولي، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للكويت بنسبة 3.8 في المئة في عام 2026، فيما يتوقع أن ينمو القطاع غير النفطي بنسبة 3 في المئة. ويعكس ذلك الأهمية المتزايدة لتنويع الاقتصاد باعتباره محركاً للنمو، كما يفتح مجالات إضافية للتعاون الدولي ولتعزيز الشراكة بين الكويت وفيتنام.

وقد أسهم الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية في عام 2025 في توفير إطار ملائم لتوسيع التعاون وتنويعه. ووضع البلدان هدفاً طموحاً لرفع حجم التجارة الثنائية إلى ما بين 12 و15 مليار دولار بحلول عام 2030، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والنفط والغاز والبتروكيماويات والتكنولوجيا الناشئة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والأمن الغذائي والدفاع والأمن والتعامل مع التحديات غير التقليدية.

ويبرز الأمن الغذائي بصورة خاصة باعتباره مجالاً يتمتع بإمكانات واضحة للتعاون، إذ يمكن الجمع بين حاجة الكويت إلى تنويع مصادر إمداداتها الغذائية وبين ما تتمتع به فيتنام من قدرات كبيرة في الإنتاج الزراعي وتصنيع الأغذية. كما توافر مجالات الاقتصاد الرقمي والتعليم والسياحة والتبادل الثقافي وتنمية الموارد البشرية آفاقاً إضافية لتعزيز التعاون بين البلدين. وقد اتفق الجانبان خلال زيارة رئيس الوزراء الفيتنامي إلى الكويت على توسيع التعاون في العلوم والتكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي والأمن السيبراني والطاقة المتجددة والتعليم والتدريب والسياحة والتبادل الشعبي.

ومن خلال هذه الجهود، ستواصل العلاقات الكويتية ـ الفيتنامية، التي رعاها البلدان على مدى نصف قرن، الارتقاء إلى إنجازات جديدة في التعاون، بما يحقق فوائد ملموسة لشعبي البلدين، ويسهم بصورة إيجابية في تعزيز السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓