تحمية بالنار في جنوب لبنان على وقع إشارات إسرائيلية متناقضة

أدْخَل السقوطُ الـ «بلا دويّ» لتلة علي الطاهر لبنان في دوامةٍ من الأسئلة المتسلسلة التي تتشابك مع الوقائع الشديدة الخطورة في إقليمٍ كأنه يقيم في «فوهةِ مدفعٍ» قابل للتفعيل في أي لحظة، بما حَجَبَ نسبياً الدفعَ الذي تلقّاه مسار التفاوض المباشر بين بيروت وتل أبيب عبر إطلاق الأخيرة أول دفعة من أسرى ما بعد حرب أكتوبر 2024 مع «حزب الله» في إطار رفْد طاولة المحادثات بـ«إثبات جدوى» كفيلة بإراحة المفاوض اللبناني داخلياً في ضوء الجمود الذي أصاب «المناطق التجريبية» وكاد أن يجعل الجولة الثامنة المرتقبة في روما هذا الشهر «غير ذات فائدة».
وفيما كانت التقديراتُ في بيروت تشي بأنّ بنيامين نتنياهو، وبعدما رسّخ صورة مَن «احتل القلعة» (علي الطاهر) لتكون بوستراً انتخابياً فعّالاً، سيعمد إلى تهدئة الميدان وتيسيرِ الطريق إلى الجولة الجديدة من المفاوضات مع لبنان التي لم يُحدَّد موعدها النهائي بعد، إذ به يندفع نحو تصعيدٍ تركّز أمس على قضاء النبطية بعدما تغوّل السبت في اتجاه قضاء صور والبقاع الغربي، في ما بدا عمليةَ «ترسيمٍ» لملعب النار الجديد الذي يتّسق مع سيناريواتِ حربٍ متعدد الجبهة تتحسّب لها إسرائيل فوق طبقة «الحصار الفولاذي» الأميركي لطهران التي يُخشى أن تهرب إلى الأمام على قاعدة «وبعدي الطوفان».
فرغم أن إسرائيل وَضَعَتْ تصعيدَ ما بعد «سقوط التلة» (أدى الأحد والسبت إلى سقوط ما لا يقل عن 11 ضحية و60 جريحاً) في إطارٍ مزدوج، التصدّي لـ «تهديد وشيك» لجنودها في المنطقة الأمنية وسكان الشمال ومنْع حزب الله من تأخيرِ المرحلة النهائية من تطهير البنية السفلية لـ«علي الطاهر» التي ستشمل تفجير نفقيْن رئيسييْن بما ينذر بتغيير معالم هذا الموقع الإستراتيجي، إلا أن طبيعةَ هذه الاندفاعة ومستواها حَمَلا إشاراتٍ لا تُسْقِط من الحساب إمكان أن تكون مربوطةً بالمسرح الإقليمي الذي شهد في الساعات الماضية اشتعال «حرب السفن» بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز.
وفي الوقت الذي عزّز من هذا البُعد التمرينُ المفاجئ للجيش الإسرائيلي الذي حمل اسم «طلوع الفجر 2.0»وحاكى سيناريو مفاجئ ومتعدد الجبهة، ومدى الجاهزية لمواجهة مجموعة متنوعة من السيناريوهات العملياتية، وسط تأكيد رئيس الأركان إيال زامير، أن الجيش يمر بـ «فترة متوترة وقابلة للاشتعال على جميع الجبهات»، لم تقلّ دلالةً التقارير في وسائل إعلام عبرية عن تنسيقٍ مستعاد بين «حزب الله» وحركة «حماس»، وآخَر بين إيران ومختلف أذرعها في سياق استعدادٍ لاحتمال حربٍ تُخاض بالتوازي عبر لبنان والعراق (الحشد الشعبي) واليمن (الحوثيين) وغزة.
وإذ لم يُستبعَد أن يكون تَعَمُّد «حزب الله» إطلاق مسيّرات ضد قوات إسرائيلية، في محيط علي الطاهر أو داخل المنطقة الأمنية المحتلّة، بدوره في إطارِ إعلانِ «الجاهزية» للضغط على الزرّ متى قرّرت طهران ذلك، فقد بدا من الصعب استشرافُ مدى قابلية سيناريوات الانفجار الكبير للترجمة في المدى القريب، في ضوء الاقتناع بأنّ وحدها إيران مَن تحدّد توقيته، كون واشنطن دخلت وضعية انتظار مفاعيل الحصار غير المسبوق وإمكان أن يُحْدِث مفعولاً يوازي «جدار برلين» اقتصادي، بمعنى أن ينهار تحت وطأته النظام الإيراني أو يستسلم لشروطها، فيما تل أبيب «ممنوعة» من أي «تخريبٍ» على الإيقاع الذي يفرضه الرئيس دونالد ترامب، للجبهة الإيرانية.
ولم يكن عابراً في الساعات الأخيرة صدور مواقف وتسريباتٍ من إسرائيل بدت متناقضة وحمّالة أوجه، الأمر الذي عزّز الانطباعَ بأنّ جزءاً مما يجري جنوباً يتّصل بتهيئة الأرضية لكل الاحتمالات وأسوأها، وحرب نفسية تنطوي في بعض جوانبها على تحديد «بنك الأهداف الأعلى» في أي مواجهة جديدة. وأبرزها:
- ما ذكرته صحيفة «معاريف» أن تموضع القوات الإسرائيلية على تلة علي طاهر هو عملياً على خط الدفاع المنظم الأخير لحزب الله في جنوب لبنان؛ «وبذلك بات الطريق إلى بيروت والبقاع مفتوحاً»، الأمر الذي اعتُبر إشارةً إلى أنه في أي حرب جديدةٍ لن تكون هناك حدود جغرافية لكرة النار والتوغل البري.
- إعلان وزير الدفاع يسرائيل كاتس، أن السيطرة على تلة علي الطاهر تمثل ختام إحكام القبضة على المنطقة الأمنية جنوب لبنان. وأضاف: «تقدّمْنا نحو علي الطاهر بعد معلومات استخباراتية بوجود أنفاق قيادة وسيطرة لحزب الله. وهذا آخر موقع حصين للدفاع عن منطقة النبطية التي تحظى بأهمية بالغة لحزب الله».
وجاء كلام كاتس، غداة ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر أمنية من «أن الجيش الإسرائيلي سينسحب ويتمركز على مسافة أقرب لحدود إسرائيل بعمق 3 إلى 4 كيلومترات، ويستعد لتقليص قواته وإنشاء خط أمني جديد في لبنان أقرب إلى الحدود».
وبحسب المصادر، تتضمن الخطة تقليص عديد القوات الإسرائيلية وإنشاء خط أمني جديد في لبنان، يكون أقرب إلى الحدود، في إطار إعادة تنظيم انتشار الجيش الإسرائيلي في المنطقة.
ورأت أوساط سياسية أن هذا التناقض بين كاتس، وهيئة البث يعكس واقعياً أنه بات هناك منطقة أمنية «على الأرض» بمساحة نحو 700 كيلومتر مربع وعمق ما بين 8 و10 كيلومترات جنوب الليطاني، ومنطقة أمنية مصغّرة «على الورق»، ولكن يُعتقد أنها مؤجَّلة لِما بعد انتخابات الكنيست، ويرتبط «القفز إليها بضغوط متوقَّعة من ترامب، لتعزيز مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، ما لم تكن جبهة إيران سبقت الجميع الى اشتعال سريع.
وفي تقدير هذه الأوساط أن نتنياهو، يصعب أن يبدّد إنجاز علي الطاهر بانسحابٍ مبكّر يقلّص معه مساحة احتلاله - في الوقت الذي ترتسم خطوط الاحتلال الأكبر (حتى البقاع وبيروت وفق تسريب معاريف) - وذلك قبل انتخاباته وإنجاز آلية التحقق داخل«المناطق التجريبية»وفق الاتفاق الإطار الموقّع بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة (26 يونيو)، وتالياً قبل التفاهم على شكل هذه الآلية التي ستراقب انتشار الجيش اللبناني في النطاقات المحرَّرة وتفكيك بنية حزب الله العسكرية فيها ومنعه من العودة إليها، ومَن هي الدول التي ستشارك فيها والدولة التي ستترأسها، وسط اعتقادٍ أن وحدها تلة علي الطاهر قد تكون عنواناً لمنطقة ثانية يجري التفاوض على تسليمها للمؤسسة العسكرية اللبنانية بعد تطهيرها بالكامل.
على أن الوقائع العسكرية في اليومين الماضيين خصوصاً التركيز على قضاء النبطية ومنطقة النبطية الفوقا (تقع علي الطاهر بينها وبين كفرتبنيت) يعكس أن إسرائيل تحاول تشكيل خط دفاع عن التلة لتثبيت احتفاظها بها، رغم اعتبار بعض الأوساط أن هذا الأمر قد يكون مرتبطاً بالحاجة إلى حماية العمليات الحالية التي تجري لتفجير النفقين الرئيسييْن ومنْع استهداف قواتها التي تعمل على هذا المسار.
وكان يوم السبت شهد إطلاق حزب الله مسيرات ضد قوات اسرائيلية في مرتفعات علي الطاهر، ليردّ الجيش الإسرائيلي بغارات عدة، وصولاً لتوجيه إنذار بإخلاء مبنى في بلدة عربصاليم في قضاء النبطية قبل ضربه، لتتوالى الاستهدافات الأحد وأخطرها شمل مستشفى غندور في النبطية الفوقا (مُخلى) الذي دُمّر بالكامل، وزعمت تل أبيب أنه يُستخدم«مقراً لحزب الله»وقد سقط فيه 3 أشخاص، قبل غارة على سيارة في النبطية الفوقا ايضاً سقط فيها 3 ضحايا.
وأعلن الجيش الإسرائيليّ، انّه «هاجم في وقت سابق الأحد، عناصر وبنى تحتية تابعة لـ«حزب الله» في جنوب لبنان. وفي إطار الغارات، هاجم سلاح الجوّ مستودعات وسائل قتالية وأبنية كانت مخصصة لاستخدام عناصر «الحزب» لتخطيط وتوجيه مخططات في المنطقة الأمنية». بالإضافة إلى ذلك«هاجم الجيش الإسرائيليّ مقرّ قيادة أُقيم داخل مبنى كان يُستخدم سابقاً كمستشفى».
وأضاف: «نُفذت الغارات رداً على محاولة حزب الله تنفيذ عملية السبت ضدّ قوات الجيش الإسرائيليّ العاملة في منطقة مرتفعات علي الطاهر، والتي أُطلقت في إطارها مسيّرتان انتحاريتان باتجاه القوات. وستُواصل قوات الجيش الإسرائيليّ العمل في منطقة مرتفعات علي الطاهر، ولن تسمح للمسلحين في المنطقة بالدفع بمخططات ضدّ قواتنا».
ودان الرئيس جوزاف عون، تجدد الاعتداءات الإسرائيلية على مدينة النبطية وبلداتها، والتي أسفرت عن سقوط ضحايا أبرياء وإلحاق أضرار جسيمة بمبنى وزارة المال فيها، وتدمير مستشفى غندور، مؤكداً أن هذا الاستهداف يشكل تصعيداً خطيراً يتجاوز حدود الخروق المتكررة لاتفاق وقف الأعمال العدائية واتفاق الاطار، ليطول هذه المرة مؤسسات الدولة اللبنانية ومرافقها الخدماتية التي تعنى بشؤون المواطنين ومصالحهم الحياتية إضافة إلى مستشفى ومراكز صحية.
وحمّل الجانب الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد المستمر، مطالباً الولايات المتحدة و المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف هذه الخروقات ومحاسبة مرتكبيها، مؤكداً أن لبنان، رغم كل هذه الاعتداءات، ماضٍ في التزامه بما يصون سيادته واستقرار جنوبه وسلامة مواطنيه.