كلفة التمويل تدخل مرحلة جديدة... هل قطاعاتنا مستعدة؟
عشنا منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 سنوات طويلة في بيئة اتسمت بانخفاض كلفة التمويل. وخلالها بُنيت قرارات شركات واستثمارات وتقييمات أصول على واقع أصبح مألوفاً، التمويل متاح بكلفة منخفضة، وإعادة تمويل الديون لا تمثل العبء نفسه الذي تفرضه بيئة فائدة أعلى.
وكتبت في المقال السابق عن انتقال ديون الحكومات من عصر الفائدة المنخفضة إلى ميزانيات عصر الفائدة الأعلى، لكن المسألة لا تتوقف عند الحكومات، فالتحول نفسه قد يواجه الشركات والبنوك والعقار والمؤسسات المالية والمستثمرين.
والمؤشرات الأخيرة تدعو، في رأيي، إلى أخذ هذا الاحتمال بجدية، فعوائد السندات الحكومية طويلة الأجل في الأسواق الكبرى بقيت عند مستويات أعلى من تلك التي اعتادتها الأسواق خلال حقبة الفائدة شديدة الانخفاض.
وفي الوقت نفسه، أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش، في خطابه الأخير في جاكسون هول أن التضخم لايزال أعلى من هدف 2 %، وأن أولوية «الفيدرالي» الحالية يجب أن تبقى على استقرار الأسعار، كما أظهر الاجتماع الأخير لـ«الفيدرالي» وجود أصوات عدة كانت تفضل الرفع، وصوت 3 أعضاء بالفعل لمصلحته.
هذه المعطيات لا تعني أن رفع الفائدة في الاجتماع المقبل أصبح محسوماً، لكنها تطرح سؤالاً أهم، ماذا لو لم تكن كلفة التمويل المرتفعة مرحلة عابرة؟
وهنا يأتي السؤال الذي يهمنا في الكويت، هل اختبرت شركاتنا وقطاعاتنا الاقتصادية والمصرفية والعقارية والمؤسسات المالية حساباتها على احتمال استمرار كلفة التمويل عند مستويات مرتفعة لسنوات، لا لأشهر؟
هذا ليس سؤالاً نظرياً، فقد تناول صندوق النقد الدولي في دراسة عن الكويت أثر تشديد السياسة النقدية الأميركية، ووجد أن انتقال تغيرات الفائدة الأميركية إلى أسعار الإقراض والودائع في الكويت قوي في الأجل القصير، ويقترب من الاكتمال في الأجل الطويل.
بل وجدت الدراسة نفسها أن أثر التشديد النقدي الأميركي على النمو غير النفطي يكون أكبر وأطول أمداً عندما تكون أسعار النفط دون مستوى التعادل المالي، أي أن قدرة اقتصادنا على امتصاص هذا التحول تتأثر بدرجة كبيرة بمستوى أسعار النفط.
وهنا تبدأ الحسابات بالتغير. فالشركة التي اعتادت إعادة تمويل ديونها بكلفة منخفضة ستواجه حسابات مختلفة عند الاستحقاق، والمشروع الذي كان مجدياً عند كلفة تمويل معينة قد تتغير جدواه عندما ترتفع كلفة رأس المال.
ويتأثر القطاع العقاري بدوره، لأن ارتفاع كلفة التمويل يرفع كلفة الاقتراض والعائد المطلوب على الاستثمار، كما ينعكس على الطلب والتقييمات، خصوصاً عندما لا تواكب العوائد الإيجارية ارتفاع كلفة رأس المال.
أما القطاع المصرفي، فالصورة أكثر تعقيداً. ارتفاع الفائدة قد يدعم هوامش البنوك وربحيتها من جهة، لكنه من أخرى يرفع كلفة التمويل على العملاء، وقد يؤثر في الطلب على الائتمان وقدرة المقترضين على خدمة ديونهم.
وتواجه المؤسسات المالية والمحافظ الاستثمارية معادلة مختلفة أيضا. فعندما يرتفع العائد على الأدوات الأقل مخاطرة، تتغير المقارنة مع الأسهم والعقار والاستثمارات البديلة، ويعاد النظر في تقييم الأصول وتوزيع المحافظ.
ولهذا فإن ارتفاع عوائد السندات الحكومية في الأسواق الكبرى لا يخص سوق السندات وحده، بل ينعكس على كلفة رأس المال وجدوى المشاريع وقرارات الاستثمار في مختلف القطاعات.
لذلك لا أعتقد أن السؤال الأهم اليوم هو، هل سيرفع «الفيدرالي» الفائدة في اجتماعه المقبل أم لا؟ السؤال الأهم هو، هل اختبرت شركاتنا وقطاعاتنا واستثماراتنا قدرتها على العمل في بيئة قد تستمر فيها كلفة التمويل المرتفعة لسنوات؟
فالمرحلة المقبلة قد لا تكون امتداداً لما اعتدناه، بل اختباراً مختلفاً لهيكل التمويل، وجدوى الاستثمارات، وقدرة القطاعات على التكيف.