ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiاقتصاد

هل الأسواق تعاني ركوداً بالأرقام أم في الأذهان؟

هل الأسواق تعاني ركوداً بالأرقام أم في الأذهان؟

- دراسات حكومية وخاصة تكشف خطأ الاعتماد على معنويات المستهلكين للتنبؤ بالركود

- لا تحكم على الاقتصاد من المجمعات ولا بتشاؤم المجالس.. انظر إلى ما تقوله الأرقام وما يفعله الناس

في عالم اقتصادي تحكمه الأرقام من جهة، والسرديات والمخاوف والتوقعات من جهة أخرى، يصبح فهم هذه الفجوة ضرورياً للتمييز بين الركود الحقيقي والركود الذي يبدأ أولاً في الأذهان.

تسير في الشارع فتجد المقاهي مكتظة، والمجمعات التجارية تعج بالمتسوقين، وتبحث عن موقف لسيارتك فلا تجده بسهولة. لكنك، في الوقت نفسه، تنصت إلى أحاديث المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي، فيخيّل إليك أن الاقتصاد على وشك الانهيار وأن «السوق واقف» والحركة التجارية متراجعة.

هذه المفارقة، التي تعيشها مجتمعات عدة اليوم، في ظل التوترات السياسية والتدفق المتواصل للأخبار السلبية، تطرح سؤالاً اقتصادياً ونفسياً مهماً: هل يمكن لاقتصاد أن يعاني ركوداً في أذهان الناس أكثر مما يعانيه في أرقامه الفعلية؟

الواقع يشير إلى أن الاقتصاد لا يدخل دائماً في أزمة تُقاس بتراجع الناتج المحلي أو ارتفاع البطالة أو انكماش الإنفاق، بل قد يقع أحياناً ضحية ما يمكن وصفه بأزمة الانطباع. ففي بعض الحالات، تستمر حركة البيع والشراء والإنفاق الاستهلاكي، بينما يرسم الخوف والتشاؤم والتعميم الإعلامي صورة أكثر قتامة، فينشأ شعور جماعي بأن الاقتصاد يمر بحالة ركود، حتى عندما لا تدعم المؤشرات الفعلية هذا التصور بالدرجة نفسها.

وهنا تحديداً تبرز أهمية التمييز بين الاقتصاد كما تقيسه الأرقام، والاقتصاد كما يشعر به الناس. فالفجوة بين الاثنين ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل تمثل أحد الموضوعات الرئيسية التي تناولها الاقتصاد السلوكي، وأصبحت محل اهتمام متزايد لدى المؤسسات البحثية وصناع السياسات.

في كتاب الروح المعنوية للأسواق: كيف تحرك النفسية البشرية الاقتصاد، ولماذا يعد ذلك مهماً للرأسمالية العالمية، يقدم الاقتصاديان جورج أكرلوف وروبرت شيلر، قراءة معمقة للدور الذي تؤديه القوى النفسية في تشكيل مصير الاقتصادات وثروات الأمم.

فمن الإيمان المفرط باستمرار ارتفاع أسعار العقارات، إلى الانهيار المفاجئ في الثقة بالأسواق المالية، لا تتحرك الاقتصادات بالأرقام والحسابات وحدها، بل تحكمها أيضاً مشاعر جماعية من تفاؤل وخوف وثقة وقلق.

وهذه القوى هي ما يناقشه المؤلفان ضمن مفهوم الروح المعنوية للأسواق، المرتبط بما يعرف في الفكر الاقتصادي بمفهوم الروح الحيوانية، باعتباره أحد المحركات المؤثرة في السلوك الاقتصادي والاستثماري.

ويتحدى أكرلوف وشيلر في هذا العمل عدداً من المسَلّمات التي هيمنت طويلاً على الفكر الاقتصادي التقليدي، وفي مقدمتها اختزال السلوك الاقتصادي في قرارات عقلانية تحكمها المصلحة والحسابات الباردة.

وبدلاً من ذلك، يضعان النفس البشرية في قلب التحليل الاقتصادي، انطلاقاً من أن فهم الازدهار والانكماش والأزمات المالية لا يكتمل من دون فهم الدوافع النفسية والاجتماعية التي تقف خلف قرارات الأفراد والمؤسسات والأسواق.

ويستعيد المؤلفان في هذا السياق مفهوم الروح الحيوانية الذي استخدمه الاقتصادي جون ماينارد كينز لوصف أثر الدوافع النفسية المتقلبة في القرارات الاقتصادية والاستثمارية. فالتفاؤل المفرط قد يدفع الأسواق إلى تضخيم الفقاعات، بينما يمكن للخوف وفقدان الثقة أن يدفعا المستثمرين والمستهلكين إلى تأجيل قراراتهم وتجميد الإنفاق والاستثمار، بما يؤدي إلى تفاقم التباطؤ الاقتصادي وإطالة أمده.

فالناس لا يتعاملون مع الاقتصاد من خلال قراءة تقارير الناتج المحلي أو بيانات الإنتاجية، بل يبنون في كثير من الأحيان تصورهم عنه من خلال الأخبار المتداولة والقصص الشخصية والحوارات اليومية وارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات.

لذلك، قد يشعر الفرد بأن الاقتصاد في وضع سيئ حتى لو كانت مداخيله مستقرة أو في ارتفاع، وقد يعتقد أن الجميع يعانون تراجعاً مالياً بينما تشير البيانات إلى استمرار الإنفاق ونمو سوق العمل.

ويبين المؤلفان أن تجاهل هذه العوامل النفسية في بعض النظريات والسياسات الاقتصادية، لاسيما خلال الحقبة التي تعاظم فيها الإيمان بقدرة الأسواق على تصحيح نفسها تلقائياً، أدى إلى قصور في فهم طبيعة الأزمات وحدود النماذج القائمة على افتراض العقلانية الكاملة والتوقعات الرشيدة.

وبذلك، يقدم كتاب الروح المعنوية للأسواق إطاراً فكرياً يساعد على فهم أسباب الاضطرابات الاقتصادية والمالية وكيفية التعامل معها. فهو لا يكتفي بتشخيص الأزمات، بل يدعو صناع القرار إلى إدراك أن القوى النفسية التي تحرك الاقتصاد ليست عاملاً هامشياً، وإنما جزء أساسي من الواقع الاقتصادي نفسه.

فالاقتصاد، كما يؤكد الكتاب، لا تحكمه المعادلات وحدها، بل تحكمه أيضاً النفس البشرية بكل ما تنطوي عليه من ثقة وخوف وأمل واندفاع.

هذا السؤال لم يعد مجرد نقاش نظري. فقد كشفت ورقة بحثية نشرها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ضمن سلسلة ملاحظات نظام «الفيدرالي» عن فجوة واضحة بين النظرة السلبية للمستهلكين الأميركيين تجاه الاقتصاد وبين سلوكهم الشرائي الفعلي.

وأظهرت البيانات أنه، رغم التراجع الحاد في معنويات المستهلكين ووصولها إلى مستويات متدنية قاربت في بعض المؤشرات مستويات فترات الأزمات السابقة، استمر الإنفاق الاستهلاكي ومشتريات الأسر في إظهار قدر من القوة والنمو مقارنة بمستويات ما قبل جائحة كورونا.

واعتمدت الدراسة على بيانات تفصيلية للمشتريات اليومية لآلاف الأسر، وخلصت إلى أن الشعور بتدهور الأوضاع المالية لا يرتبط بالضرورة بانخفاض المداخيل. ففي كثير من الحالات، كان مصدر الضيق هو الجهد الإضافي والتكيف النفسي المطلوبين للتعامل مع ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.

كما أظهرت الدراسة أن المستهلكين قد يميلون إلى المبالغة في تقدير معدلات التضخم التي واجهوها فعلياً، وأن تقييمهم للوضع الاقتصادي يتأثر بارتفاع الأسعار بصورة قد تفوق تأثره بنمو الأجور أو تحسن مداخيلهم الفردية. وهذا يفسر جانباً مهماً من المفارقة: قد يكون المستهلك قادراً على الإنفاق ويواصل الشراء، لكنه في الوقت نفسه يشعر بأن وضعه الاقتصادي أسوأ، لأن ما يشتريه اليوم أصبح أكثر كلفة، ولأن ذاكرته تقارن الأسعار الحالية بأسعار سنوات سابقة أكثر مما تقارن دخله الحالي بدخله السابق.

وانتهت الورقة البحثية إلى أن التباين بين ما يقوله المستهلكون في استطلاعات الرأي وما يفعلونه فعلياً بأموالهم يجعل من مؤشرات معنويات المستهلك أداة غير كافية بمفردها للحكم على الاتجاه الاقتصادي المستقبلي أو قياس صحة الاقتصاد.

وتتفق مع هذه الفكرة دراسة تحليلية حديثة صادرة عن مركز الاقتصاد الكلي التابع لمجموعة بوسطن الاستشارية، التي خلصت إلى أن مؤشرات معنويات المستهلكين تحولت في بعض الحالات إلى مصدر لعدد من الإنذارات الكاذبة، وأن الاعتماد عليها بوصفها مؤشراً وحيداً أو دقيقاً لصحة الاقتصاد يمكن أن يؤدي إلى قراءة مضللة للواقع.

وأظهرت التحليلات أن مخاوف التراجع والضعف الاقتصادي التي سادت الأعوام الأخيرة استندت بدرجة كبيرة إلى الانطباعات التشاؤمية للمستهلكين، في حين استمر الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي في النمو، متجاوزاً في بعض الفترات تلك التوقعات القاتمة.

وأرجعت الدراسة هذا الانفصال إلى مجموعة عوامل، بينها ما وصفته بتشاؤم المسافة والاستقطاب الحزبي. ويقوم المفهوم الأول على مفارقة لافتة: إذ يرى كثير من الناس أن أوضاعهم المالية الشخصية جيدة أو مقبولة، لكنهم في الوقت نفسه يعتقدون أن الاقتصاد الوطني في وضع سيئ.

ووفقاً لما أوردته الدراسة، يرى نحو 75 % من المستهلكين أن أوضاعهم المالية الشخصية جيدة أو مريحة، بينما تتراجع هذه النسبة إلى نحو 25 % عندما يتعلق السؤال بتقييم وضع الاقتصاد الوطني. ويكشف هذا التناقض أن الفرد قد يحكم على واقعه الشخصي من خلال تجربته المباشرة، بينما يبني نظرته إلى الاقتصاد العام على الأخبار والخطاب الإعلامي والجدل السياسي والانطباعات السائدة.

كما أشارت الدراسة إلى أن الاستقطاب السياسي قد يؤثر في تقييم الأفراد للاقتصاد، بحيث تصبح بعض الإجابات في استطلاعات الرأي انعكاساً للمواقف السياسية والمخاوف العامة بقدر ما تكون تقييماً مباشراً للبيانات الاقتصادية.

هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن ازدحام المقاهي والمجمعات التجارية يكفي وحده للحكم على سلامة الاقتصاد، أو أن استمرار الإنفاق يعني بالضرورة غياب المشكلات الاقتصادية. فقد يستمر الاستهلاك حتى في ظل ارتفاع الديون أو تآكل المدخرات، وقد تخفي الحركة التجارية القوية اختلالات أخرى في سوق العمل أو الاستثمار أو توزيع الثروة.

وربما تكون الرسالة الأهم التي يذكرنا بها الاقتصاد السلوكي، أنه لا تحكم على الاقتصاد من ازدحام المجمعات التجارية وحده، ولا من تشاؤم المجالس وحده. انظر إلى ما تقوله الأرقام، وراقب ما يفعله الناس، ثم حاول أن تفهم القصة النفسية التي تقف بين الاثنين.

اختزال تقييم الاقتصاد في الشعور العام بالتشاؤم، أو التعامل مع الأحاديث اليومية واستطلاعات المزاج باعتبارها دليلاً قاطعاً على وقوع الركود. يشكل خطأً مقابلاً لا يقل خطورة.

والنتيجة الأكثر دقة أن الاقتصاد يعيش دائماً على مستويين متداخلين: مستوى الأرقام والوقائع، ومستوى التصورات والمشاعر. وقد يتطابق الاثنان في أوقات الأزمات الحقيقية، لكنهما قد يفترقان أيضاً لفترات طويلة.

وهنا تكمن المفارقة التي نراها في الشارع: قد يتحدث الجميع عن تراجع السوق، بينما تستمر حركة الشراء. وقد يعلن الناس أنهم قلقون على مستقبلهم المالي، بينما يواصلون السفر والتسوق والإنفاق. وليس بالضرورة أن يكون أحد الجانبين كاذباً؛ فقد يكون الشعور حقيقياً، حتى عندما لا تعكسه الأرقام بالقدر نفسه.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓