هل يُهدّد سباق الذكاء الاصطناعي عمالقة التكنولوجيا؟

«العربية» - كشف تقرير حديث أن طفرة الذكاء الاصطناعي التي تقودها شركات التكنولوجيا الكبرى تعتمد على التزامات مالية خارج الميزانيات العمومية تصل نحو 3.1 تريليون دولار، وهو رقم يفوق الإنفاق الرأسمالي السنوي لشركات الحوسبة السحابية العملاقة بنحو 5 أضعاف، ما يثير تساؤلات متزايدة حول قدرة القطاع على تمويل هذا التوسع ذاتياً.
وأظهرت تحركات الأسواق أن المستثمرين لم يصابوا بالذعر بعد نشر هذه الأرقام، إذ تراجع سهم ألفابت بنحو 1 في المئة منذ 16 أغسطس، فيما فقدت «أمازون» 2 في المئة و»مايكروسوفت» 3 في المئة، بينما هبط سهم «ميتا» 8 في المئة لأسباب ارتبطت جزئياً بقضية تتعلّق بسلامة الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي.
وركّز المستثمرون خلال نتائج الأعمال الأخيرة على 4 عناصر رئيسية تشمل قوة الطلب، وتسارع الإيرادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، واستدامة الربحية والتدفّقات النقدية، إضافة إلى قدرة الإدارات التنفيذية على إثبات أن الإنفاق الضخم على البنية التحتية سيترجم إلى عوائد مستقبلية، وفقاً لما ذكرته «بلومبرغ».
وأثبتت شركة «CoreWeave» أهمية هذه العناصر بعدما قفز سهمها 18 في المئة عقب إعلان نتائجها في 11 أغسطس، مدفوعة بنمو الإيرادات 112 في المئة إلى 3.45 مليار دولار، ورفع توقّعاتها لـ 2026، إضافة إلى امتلاكها طلبات متراكمة بقيمة 104 مليارات دولار وتعهّدات جديدة من العملاء تجاوزت 25 ملياراً.
لكن الضغوط بدأت تظهر بالفعل على التدفّقات النقدية لشركات التكنولوجيا الكبرى. فقد تحوّل التدفّق النقدي الحر لشركة ألفابت إلى المنطقة السلبية خلال الربع الثاني 2026 للمرة الأولى منذ 2004، فيما انتقلت أمازون أيضاً إلى تسجيل تدفقات نقدية حرة سالبة مع توقعات باستمرار هذا الوضع حتى نهاية العام.
ويتكون الرقم البالغ 3.1 تريليون دولار من نحو 1.2 تريليون من عقود الإيجار غير المفعلة و1.9 تريليون من التزامات الشراء المستقبلية، وفق إفصاحات شركات تشمل «ألفابت» و«أمازون» و«ميتا» و«مايكروسوفت» و«أوراكل» و«إنفيديا» و«برودكوم» و«AMD وSpaceX»، ويُخصّص الجزء الأكبر منها لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
واعتمدت هذه الشركات بشكل متزايد على هياكل تمويل خاصة وشركات ذات أغراض خاصة للحفاظ على هذه الالتزامات خارج الميزانيات العمومية، ما يساعدها على المحافظة على تصنيفاتها الائتمانية المرتفعة وتوفير السيولة اللازمة للاستثمار وإعادة شراء الأسهم وتوزيع الأرباح.
وتختلف هذه الممارسات عن النموذج الذي اشتهرت به شركة إنرون قبل انهيارها في 2001، إذ تؤكد التقارير أن شركات التكنولوجيا تفصح عن هذه الترتيبات للمستثمرين، إلا أن تقدير تأثيرها المستقبلي على التدفقات النقدية يبقى معقداً بسبب اختلاف الافتراضات المحاسبية المستخدمة.
وضغطت الاستثمارات الضخمة بالفعل على السيولة، فبحسب إفصاحات «أمازون»، تراجع التدفق النقدي الحر خلال آخر 12 شهراً إلى 1.2 مليار دولار مقارنة مع 25.9 مليار سابقاً، قبل أن يتحول إلى عجز بلغ 7.6 مليار بحلول الربع الثاني 2026 نتيجة الإنفاق المكثف على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. كما انخفض التدفق النقدي الحر لدى ميتا من أكثر من 43 ملياراً إلى مستويات تقترب من خانة الآحاد.
وتتزايد المخاطر إذا تباطأ الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي، إذ إن كثيراً من الالتزامات الحالية غير قابلة للإلغاء أو ترتكز على عقود «ادفع أو استخدم». وفي هذه الحالة ستبقى النفقات ثابتة بينما تتراجع الإيرادات القادرة على تغطيتها.
ويُنظر إلى «أوراكل» باعتبارها الأكثر تعرضاً للمخاطر بين كبار مزودي البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع اعتماد جزء كبير من نموها المتوقع على«OpenAI»، إلى جانب تسجيلها تدفقات نقدية حرة سالبة بلغت 23.7 مليار دولار خلال 2026.
في المقابل، تبدو «مايكروسوفت» و«ميتا» في وضع أكثر قوة بفضل مصادر الدخل المتنوعة من البرمجيات والإعلانات، بينما تظل شركات الحوسبة السحابية الناشئة مثل «كورويف» و«نيبيوس» و«OpenAI» نفسها الأكثر حساسية لأي تباطؤ في الطلب أو تشديد في شروط التمويل.
ورغم هذه المخاوف، لا يزال بعض المحللين متفائلين. إذ يرى راج جوشي من وكالة موديز أن الشركات العملاقة لا تبني مراكز بيانات جديدة إلا بعد الحصول على تعهّدات أو عقود واضحة من العملاء، مشيراً إلى أن القطاع ما زال يعاني من نقص في القدرات التشغيلية مقارنة بالطلب المتزايد على تدريب النماذج وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وبينما لا تبدو الأسواق قلقة حالياً، فإن أي تراجع في الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي قد يحول هذه الالتزامات الضخمة من محرك للنمو إلى عبء يضغط على التدفقات النقدية وتقييمات أسهم شركات مثل «مايكروسوفت» و«أمازون» و«غوغل» و«ميتا» و«أوراكل».