ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alraiخارجيات بقلم وسام أبو حرفوش,ليندا عازار

بري «يستنجد» بترامب ويغطّي «التجريبية» وتَسَلُّم الجيش اللبناني «علي الطاهر»

بري «يستنجد» بترامب ويغطّي «التجريبية» وتَسَلُّم الجيش اللبناني «علي الطاهر»

مع استعادة مشهدية البحر الهائج في الإقليم الذي يُخشى أنه يتهيأ لمواجهاتٍ أعتى، يتهيّب لبنان ما قد يكون على جبهته وسط إشاراتٍ متزايدة إلى أنه يتعاطى مع مسار التفاوض المباشر بينه وبين إسرائيل برعاية أميركية والاتفاق الإطار الثلاثي الذي وُقِّع في كنفه (26 يونيو) على أنه بات بمثابة «القشة» التي يتعلّق بها لتَفادي طوفان دم ودمار جديد ينزلق إليه بفعل «التوأمة بالنار» معه التي تصرّ عليها طهران والقادرة على ترجمتها حين تشاء عبر «حزب الله».

فعلى وقع انكشاف المنطقة على انفلاتِ جبهة إيران من «حلقة الأمان» التي شكّلتْها مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، وتَبَلْوُر ملامح «خطوط مواجهة» متفرّعة من المسرح الأم، كما في اليمن والعراق، أو مستجدّة كما على خط إسرائيل وتركيا - سوريا، يكثّف لبنان مُحاولاتِه لتَلافي جَذْبه إلى «ممرّ الأعاصير» الأشدّ ولتصفيح واقعه، بما أمكن، بحيث يدير أزمته المتعدّدة الطبقة على قاعدة احتواء المَخاطر الجليّة وتحصين «خطوط الدفاع» بوجهها التي أرساها رغم كل الظروف المعاكِسة عبر إستراتيجية مَرِنة كَسَرَتْ «محرَّمات دبلوماسية».

وتتمحور المحاولات اللبنانية حول إبقاء مَسار التفاوض مع إسرائيل قائماً بوصْفه «المَدرج» الذي سيتيح، ولو بعد حين، هبوطاً اضطرارياً لكل من تل أبيب، عندما تهدأ «عاصفتها الانتخابية»، وحزب الله، حين تمرّ المحنةُ الأكبر التي تعيشها طهران أو تفرز استنزافاً أعمق بثِقلها وموقعها على مستوى الداخل الإيراني كما الإقليم وساحات نفوذها، بحيث تكون «الأساسات» جاهزةً لحلٍّ نهائي... مهما تَأَخَّر فهو آتٍ.

ويَستفيد لبنان في هذا المسعى من رغبة مماثلة لواشنطن في صون مسار التفاوض الذي باتت له موجباتٌ أكبر بعدما صارت مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية بحُكْم المُنْتَهية، بما يجعل هذا المسار هو الناظم الفعلي و«بلا مُنافِس آخَر» لوقْف النار السائد في بلاد الأرز، ولو مع الخروق الإسرائيلية جنوباً، بعدما كان «حزب الله» يستخدم «المذكّرة» وبندها الأول الذي تَضَمّن انهاءَ القتال على جميع الجبهات ومسمياً لبنان، باعتبارِها الحاكِمة لجبهته على قاعدة «ديبلوماسية القوة» التي لم تَنفع في لجْم تل أبيب عن الاستهدافاتِ واختبأ خلفها حزب الله لتقييد نفسه عن التصدّي المباشر لها.

ولم يكن عابراً أن تَصدر إشاراتٌ عن «الأخ الأكبر» لحزب الله، رئيس البرلمان نبيه بري، تَشي بأنه يُخالِفُ عَلَناً «حرب» الحزب على مسار التفاوض والاتفاق الإطار الذي يرتكز جوهرُه على «المناطق التجريبية» (الآلية التنفيذية لانسحاب تدريجي من إسرائيل يقابله انتشار الجيش اللبناني في المناطق المحرَّرة)، والتي كان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، شنّ هجوماً نارياً عليها وقَرَعَ طبولَ «انفجار غضب» آتٍ بوجه الداخل يَنتظر «ساعة الصفر»، وصولاً لتهديد أحد نوابه في شكل غير مسبوق رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بأنه «ظالمِ فلنا ثأر معه» في معرض تبرير رفْض الانسحاب من تلة علي الطاهر وتسليم بنيتها السفلية للجيش اللبناني.

فرئيس البرلمان وخلال استقباله وفد مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان برئاسة السفير ادوارد غبريال، أطلق موقفاً اعتُبر بمثابة تسليم، من باب الواقعية، بأن الاتفاقَ الإطار هو «الشرّ الذي لا مفرّ منه» في ضوء انتهاء صلاحية «مذكّرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية التي لطالما اعتبرَها - لتضمّنها بنداً عن لبنان - «تؤسس لإرساءِ دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة وبلدنا»، حيث «استعان» بري بـ «الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترامب» واصفاً إياه بـ «أنه الوحيد الذي باستطاعته إلزام إسرائيل انهاء حربها ووقف النار والانسحاب إلى الحدود الدولية في الجنوب»، فيما نقل عنه غبريال، أنه «مهتم جداً بتحقيق التقدم بشأن المناطق التجريبية وأنه يريد شخصياً أن يرى هذه المناطق تنجح».

وفي موقف برّي كما أورده مكتبه الإعلامي أنه قال إنه حين تُنْهي إسرائيل حربها وتنسحب إلى الحدود الدولية في الجنوب «أضمن انتشاراً فورياً للجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني، وأن يكون الجيش اللبناني هو القوة الوحيدة الحافظة للأمن والذي وحده يملك السلاح في تلك المنطقة، وهي منطقة من حق أهلها العودة إليها وإعادة إعمارها وهم تواقون لرؤية الجيش اللبناني حافظاً لأمنهم واستقرارهم».

وعلى أهمية هذا الموقف، فإن أوساطاً متابعة اعتبرتْ أنه ليس كافياً أو مُغْرياً أميركياً ولا إسرائيلياً، لأنه يعني عملياً تطبيق القرار 1701 في الوقت الذي تجاوزت الأحداث والوقائع والتطورات هذا القرار وحتى اتفاق وقف النار (27 نوفمبر 2024)، وهو ما يعبّر عنه رفْض واشنطن القاطع لأي بقاء لـ «اليونيفيل»، وهي حارسة الـ 1701، بعد انتهاء مهمتها آخر السنة وتشديدها مع تل أبيب على أن المطلوب نزع سلاح الحزب كاملاً وتفكيك بنيته العسكرية كـ «منتَج نهائي» يواكب الانسحاب الإسرائيلي الكامل والمتدرّج.

واستوقف الأوساط ما يشبه «الكلام اللبناني» الذي أطلقه بري ببيان مكتبه الإعلامي و«الكلام الأميركي» الذي نَقله عنه «بالصوت والصورة» غبريال، في كلمته من عين التينة بعد اللقاء والتي لم يصدر نفي لمضمونها الذي لم يَحضر في البيان الرسمي.

فغبريال، قال وكان يقرأ نصاً مكتوباً: «نشعر بأن الرئيس بري، مهتمّ جداً بإحراز تقدم في شأن المناطق التجريبية، وهو قال إنه يريد أن يرى شخصياً نجاح هذه المناطق»، كما أعلن أنه "إذا تم التوصل إلى وقف نارٍ فسيضمن شخصياً أن يتم نزع سلاح حزب الله».

وأضاف «وفي ما خص علي الطاهر، قال (بري) أنه إذا وافق الإسرائيليون على أن يتولى الجيش اللبناني السيطرة على الأراضي بهدف منْع إسرائيل من إحداث دمار واسع النطاق، فهو سيبذل قصارى جهده للتحدث مباشرة مع حزب الله وإقناعه بقبول الاتفاق، وإن على إسرائيل أن تكون واضحة في رغبتها أن يتولى الجيش اللبناني السيطرة على هذه المنطقة».

وتابع «ختم (بري) بأن أهالي الجنوب لا يريدون أسلحة بل منازل. وسنحرص على ايصال هذه التصريحات إلى صناع القرار في الولايات المتحدة».

وفي بيان المكتب الإعلامي لبري جاء أنه «رداً على سؤال يتعلق بتلة علي طاهر وتسليمها للجيش اللبناني، قال غبريال إن إسرائيل يجب أن تكون واضحة حول قبولها أن يسيطر الجيش اللبناني على تلة علي الطاهر من أجل منْع الدمار الشامل من إسرائيل، ولكن على إسرائيل أن تكون واضحة بشأن رغبتها في أن يتولى الجيش اللبناني السيطرة على هذه المنطقة».

وأضاف (غبريال) «أهل الجنوب لا يريدون الحرب بل يريدون العودة إلى منازلهم ونعتقد أنه كان اجتماعاً جيداً للغاية، ورئيس مجلس النواب كان صريحاً للغاية، وسنحرص على نقل رؤيته ووجهة نظره إلى صناع السياسة الأميركيين».

واكتسبت هذه الضبابية أهميتها أيضاً في ضوء الانطباع بأن معركة علي الطاهر باتت مسألة وقت قبل أن يهاجم الإسرائيليون المنشأة الإستراتيجية تحتها، حيث يُحاصر عشرات من عناصره ومعهم من الحرس الثوري الإيراني، وسط رفْض مطلق من الحزب للاستسلام «فلن نرفع الراية البيضاء»ولا لتسليمها للجيش اللبناني لأن ذلك سيعني بالنسبة له إقراراً بقبوله بتفكيك سلاحه شمال الليطاني، ناهيك عن إعلان أحد نوابه أن لا ثقة بالقرار السياسي اللبناني والخشية من أن يُطلب من الجيش الانسحاب من هذا الموقع«وتقديمه هدية لإسرائيل»، وفي ظلّ تعاطي الحزب مع هذه النقطة الإستراتيجية على أن سقوطها سيعني تداعي خط الدفاع الثاني شمال النهار وربما دومينو تَقَدُّم إسرائيلي نحو اقليم التفاح والبقاع الغربي وربما أبعد نحو الهرمل.

- الأول إعلان الناطق باسم الخارجية الأميركية تومي بيجوت، أن الوضع في لبنان كان من بين القضايا الأمنية الاقليمية التي بحثها الوزير ماركو روبيو، هاتفياً مع مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان.

- والثاني تَسَلُّم عون، من القائم بالأعمال الفرنسي في لبنان برونو بيريرا دا سيلفا، رسالة خطية من الرئيس إيمانويل ماكرون، تضمنت دعوة لمشاركة لبنان في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم القوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي الذي سيعقد في باريس في 17 سبتمبر المقبل.

وعرضت الدعوة «لأهمية هذا الاجتماع في دعم الجيش اللبناني بهدف تمكينه من امتلاك القدرات والموارد اللازمة ليضطلع بمسؤولياته بفعالية، الأمر الذي يتطلب دعماً دولياً وجهداً جماعياً لتلبية حاجاته العملية والمعدات اللوجستية والتدريب وبناء القدرات وفق الأولويات وخطة العمل والحاجات التي حددها الجيش اللبناني». كذلك تشير الدعوة إلى«أن قوى الأمن الداخلي تشارك الجيش في الأعباء التي يتحملها، وتعزيزها يمكنه من التركيز على مهامه ذات الأولوية».

وسيشارك في الاجتماع قادة القوات المسلّحة في عدد من الدول إضافة إلى ممثلين للمنظمات الحكومية الدولية والخبراء.

وأشارت قناة «ال بي سي آي» اللبنانية، إلى أن الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش سينظم بشكل مشترك بين فرنسا والأردن، علماً أن هذا المؤتمر كان يفترض عقده في مارس الماضي ولكن ظروف الحرب في المنطقة ساهمت في إرجائه، وسط رَصْدِ مستوى المشاركة في اجتماع 17 سبتمبر باعتبار أنه سيؤشر لمدى الثقة العربية والدولية بالمسار الذي تعتمده بيروت في ما خص مسألة سحب سلاح «حزب الله»، وخصوصاً أن تقوية الجيش هي من عناصر تمكينه أكثر للمضيّ في هذه المهمة وإن التي لا ترغب السلطة في أن تُنفّذ بخشونة.

وقد أكد الرئيس اللبناني أمام زواره «ان الوضع في الجنوب يتطلب متابعة دقيقة. وعلينا ان نستغل كل الفرص لمصلحة لبنان، وسنعمل كل ما بوسعنا لتحقيق ما نصبو إليه من اطمئنان في الجنوب، حيث التحدي الأكبر هو انسحاب إسرائيل من القرى والبلدات الجنوبية المحتلة وانتشار الجيش حتى الحدود الدولية وإعادة الإعمار. وسنعمل بكل ما أوتينا مع أصدقائنا في العالم للضغط على إسرائيل من اجل الالتزام باتفاق الإطار».

وفي هذا السياق تأتي الزيارة التي بدأها عون، لروما حيث يلتقي الخميس البابا ليو الرابع عشر، على أن يجتمع الجمعة برئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، في ظلّ رعايةٍ وازنة يَمنحها الفاتيكان للبنان و«طريق السلام» فيه، واحتضانِ العاصمة الإيطالية المرحلة التنفيذية من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية - الأميركية وتحديداً جولتيها السادسة والسابعة الأخيرتين، وسط ترقُّبٍ لاستضافتها ايضاً الجولة الثامنة في سبتمر بعد أن تؤمن واشنطن الظروف الملائمة لعقدها وخصوصاً لجهة التفاهم ولو بالأحرف الأولى على آلية التحقّق داخل المناطق التجريبية، والتي يُرجح أن يكون لروما دور رئيسي فيها، وتوسعتها.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓